قوله ( والله ما في السماوات وما في الأرض ) هذه الجملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته ( ولقد
وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب ، واللام في الكتاب للجنس ( وإياكم )
عطف على الموصول ( أن اتقوا الله ) أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وهو في موضع نصب بقوله ( وصينا ) أو منصوب
بنزع الخافض . قال الأخفش : أي بأن اتقوا الله ، ويجوز أن تكون أن مفسرة ، لأن التوصية في معنى القول ،
قوله ( وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض ) معطوف على قوله ( أن اتقوا ) أي وصيناهم وإياكم
بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا ، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا
أنه غني عن خلقه ( إن يشأ يذهبكم ) أي يفنكم ( ويأت بآخرين ) أي بقوم آخرين غيركم ، وهو كقوله تعالى
- وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم - ( من كان يريد ثواب الدنيا ) وهو من يطلب بعمله شيئا من
أمور الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر ( فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) فما باله يقتصر على أدنى الثوابين
وأحقر الأجرين ، وهلا طلب بعمله ما عند الله سبحانه ، وهو ثواب الدنيا والآخرة فيحرزهما جميعا ويفوز بهما
وظاهر الآية العموم . وقال ابن جرير الطبري : إنها خاصة بالمشركين والمنافقين ( وكان الله سميعا بصيرا ) يسمع
ما يقولونه ويبصر ما يفعلونه .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وكان الله غنيا ) عن خلقه ( حميدا ) قال :
مستحمدا إليهم . وأخرجا أيضا عن علي مثله . وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ( وكفى بالله وكيلا ) قال :
حفيظا . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه في قوله ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين )
قال قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم .
قوله ( قوامين ) صيغة مبالغة : أي ليتكرر منكم القيام بالقسط ، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم وهو
الإقرار بما عليكم من الحقوق ، وأما شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير ، وكذلك الشهادة على الأقربين
وذكر الأبوين لوجوب برهما وكونهما أحب الخلق إليه ، ثم ذكر الأقربين ، لأنهم مظنة المودة والتعصب ،
فتح القدير — صفحة 523
مساهمون: الشوكاني
ص٥٢٣