ما يفيد ذلك ، بل المراد بالجار في اللغة : المجاور ، ويطلق على معان . قال في القاموس . والجار المجاور ، والذي
أجرته من أن يظلم ، والمجير ، والمستجير ، والشريك في التجارة ، وزوج المرأة وهي جارته ، وفرج المرأة ، وما
قرب من المنازل ، والأست كالجارة ، والقاسم والحليف ، والناصر انتهى . قال القرطبي في تفسيره : وروى
" أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم ، وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد : ألا إن أربعين دارا جار ،
ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " انتهى . ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره ، ولكنه رواه كما ترى من
غير عزو له إلى أحد كتب الحديث المعروفة ، وهو وإن كان إماما في علم الرواية ، فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير
سند مذكور ولا نقل عن كتاب مشهور ، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيرا كما يفعل في تذكرته ، وقد ورد في
القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة ، قال الله تعالى " لئن لم ينته المنافقون " إلى قوله " ثم لا يجاورونك فيها
إلا قليلا " فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا . وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها ، ولا
يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة . قوله ( والصاحب بالجنب ) قيل هو الرفيق في
السفر ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك . وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن
أبي ليلى : هو الزوجة . وقال ابن جريج : هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك . ولا يبعد أن تتناول الآية جميع
ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب : أي بجنبك كمن يقف بجنبك
في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك . قوله ( وابن السبيل ) قال مجاهد : هو الذي يجتاز بك
مارا ، والسبيل الطريق ، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه ، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر فإن على
المقيم أن يحسن إليه ، وقيل هو المنقطع به ، وقيل هو الضيف . قوله ( وما ملكت أيمانكم ) أي وأحسنوا إلى ما ملكت
أيمانكم إحسانا ، وهم العبيد والإماء ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم
ويلبسون مما يلبس . والمختال ذو الخيلاء وهو الكبر والتيه : أي لا يحب من كان متكبرا تائها على الناس مفتخرا عليهم .
والفخر : المدح للنفس والتطاول وتعديد المناقب ، وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما
ندب الله إليه في هذه الآية .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن عباس في قوله
( والجار ذي القربى ) يعني الذي بينك وبينه قرابة ( والجار الجنب ) يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة . وأخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم عن نوف البكالي قال : الجار ذي القربى : المسلم ، والجار الجنب : اليهودي والنصراني . وأخرج
ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله ( والصاحب بالجنب ) قال
الرفيق في السفر . وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد مثله . وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول
وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ( والصاحب بالجنب ) قال : هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر
وامرأتك التي تضاجعك . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي قال : هو المرأة .
وأخرج هؤلاء والطبراني عن ابن مسعود مثله . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله . وأخرج ابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( وما ملكت أيمانكم ) قال : مما خولك الله فأحسن صحبته : كل هذا أوصى
الله به . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل نحوه وقد ورد مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بر الوالدين
وفي صلة القرابة ، وفي الإحسان إلى اليتامى ، وفي الإحسان إلى الجار ، وفي القيام بما يحتاجه المماليك أحاديث كثيرة
فتح القدير — صفحة 465
مساهمون: الشوكاني
ص٤٦٥