قال " يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم زنت فأمرني أن أجلدها " الحديث . وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج ، فإذا أحصنت بزوج
فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب " فقد قال ابن خزيمة والبيهقي : إن رفعه خطأ ، والصواب وقفه
قوله ( فإن أتين بفاحشة ) الفاحشة هنا الزنا ( فعليهن نصف ما على المحصنات ) أي الحرائر الأبكار ، لأن الثيب
عليها الرجم وهو لا يتبعض ، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات ، لأن عليهن الجلد والرجم ، والرجم
لا يتبعض ، فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد . والمراد بالعذاب هنا الجلد ، وإنما نقص جد الإماء عن
حد الحرائر لأنهن أضعف ، وقيل لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر ، وقيل لأن العقوبة تجب على
قدر النعمة كما في قوله تعالى - يضاعف لها العذاب ضعفين - ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم
لاحقون بالإيماء بطريق القياس ، وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا ، كذلك يكون عليهم
نصف الحد في القذف والشرب ، والإشارة بقوله ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) إلى نكاح الإماء . والعنت :
الوقوع في الإثم ، وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر ، ثم استعير لكل مشقة ( وأن تصبروا ) عن نكاح
الإماء ( خير لكم ) من نكاحهن : أي صبركم خير لكم لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من
النفس . قوله ( يريد الله ليبين لكم ) اللام هنا هي لام كي التي تعاقب " أن " . قال الفراء : العرب تعاقب بين لام
كي وأن ، فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت وأمرت ، فيقولون أردت أن تفعل وأردت
لتفعل ، ومنه - يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم - وأمرت لأعدل بينكم - وأمرنا لنسلم لرب العالمين - ومنه :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل
وحكى الزجاج هذا القول وقال : لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام أخرى كما تقول : جئت كي
تكرمني ، ثم تقول : جئت لكي تكرمني ، وأنشد :
أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود
وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال ، أو لتأكيد إرادة التبيين ، ومفعول يبين محذوف : أي ليبين
لكم ما خفى عليكم من الخير ، وقيل مفعول يريد محذوف : أي يريد الله هذا ليبين لكم ، وبه قال البصريون
وهو مروي عن سيبويه ، وقيل اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار أن ، وهي وما بعدها مفعول للفعل
المتقدم ، وهو مثل قول الفراء السابق ، وقال بعض البصريين : إن قوله ( يريد ) مؤول بالمصدر مرفوع بالابتداء
مثل : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . ومعنى الآية : يريد الله ليبين لكم مصالح دينكم وما يحل لكم وما يحرم
عليكم ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) أي طرقهم ، وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم ( ويتوب عليكم ) أي
ويريد أن يتوب عليكم فتوبوا إليه وتلاقوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم ( والله يريد أن يتوب عليكم )
هذا تأكيد لما قد فهم من قوله ( ويتوب عليكم ) المتقدم ، وقيل الأول معناه للإرشاد إلى الطاعات : والثاني
فعل أسبابها ، وقيل إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات ،
وليس المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد ، قيل هذه الإرادة منه سبحانه في جميع
أحكام الشرع ، وقيل في نكاح الأمة فقط .
واختلف في تعيين المتبعين للشهوات ، فقيل هم الزناة ، وقيل اليهود والنصارى ، وقيل اليهود خاصة ،
فتح القدير — صفحة 452
مساهمون: الشوكاني
ص٤٥٢