إذا أتت بفاحشة بين فليس للولي حبسها حتى تذهب بمالها إجماعا من الأمة ، وإنما ذلك للزوج . قال الحسن : إذا زنت
البكر فإنها تجلد مائة وتنفى وترد إلى زوجها ما أخذت منه . وقال أبو قلابة : إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن
يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه . وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن . وقال قوم : الفاحشة البذاءة
باللسان ، وسوء العشرة قولا وفعلا . وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك .
هذا كله على أن الخطاب في قوله ( ولا تعضلوهن ) للأزواج ، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب
في قوله ( ولا تعضلوهن ) لمن خوطب بقوله ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) فيكون المعنى : ولا يحل لكم أن
تمنعوهن من الزواج ( لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) أي ما آتاهن من ترثونه ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) جاز
لكم حبسهن عن الأزواج ، ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج
وتستعف من الزنا ، وكما أن جعل قوله ( ولا تعضلوهن ) خطابا للأولياء فيه هذا التعسف ، كذلك جعل قوله ( لا
يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته لسبب نزول الآية الذي ذكرناه ،
والأولى أن يقال إن الخطاب في قوله ( لا يحل لكم ) للمسلمين : أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء
كرها كما كانت تفعله الجاهلية ، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم : أي تحبسوهن عندكم مع
عدم رغوبكم فيهن ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهر يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم ، وفي
عقدتكم مع كراهتكم لهن ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) جاز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن . قوله ( مبينة ) قرأ
نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء . وقرأ الباقون بفتحها . وقرأ ابن عباس ( مبينة )
بكسر الباء وسكون الياء من أبان الشئ فهو مبين . قوله ( وعاشروهن بالمعروف ) أي بما هو معروف في هذه
الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة ، وهو خطاب للأزواج أو لما هم أعم ، وذلك يختلف باختلاف الأزواج
في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة ( فإن كرهتموهن ) لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز
( فعسى ) أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة ، فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة
وحصول الأولاد ، فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته : أي فإن كرهتموهن فاصبروا ( فعسى أن
تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . قوله ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) قد تقدم بيانه في آل عمران والمراد به
هنا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئا . قيل هي محكمة ، وقيل هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة - ولا تأخذوا
مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله - والأولى أن الكل محكم والمراد هنا غير المختلعة لا يحل لزوجها أن
يأخذ مما آتاها شيئا . قوله ( أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) الاستفهام للإنكار والتقريع . والجملة مقررة للجملة الأولى
المشتملة على النهي . وقوله ( وكيف تأخذونه ) إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ : وهي
الإفضاء . قال الهروي : وهو إذا كانا في لحاف واحد جامع أو لم يجامع ، وقال الفراء : الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة
وإن لم يجامعها . وقال ابن عباس ومجاهد والسدي : الإفضاء في هذه الآية : الجماع ، وأصل الإفضاء في اللغة
المخالطة ، يقال للشيء المختلط فضاء ، ويقال القوم فوضي وفضاء : أي مختلطون لا أمير عليهم . قوله ( وأخذن
منكم ميثاقا غليظا ) معطوف على الجملة التي قبله : أي والحال أن قد أفضى بعضكم إلى بعض ، وقد أخذن منكم
ميثاقا غليظا وهو عقد النكاح ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن
بكلمة الله " وقيل هو قوله تعالى - فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - وقيل هو الأولاد . قوله ( ولا تنكحوا
ما نكح آباؤكم من النساء ) نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا ، وهو شروع في بيان من
فتح القدير — صفحة 441
مساهمون: الشوكاني
ص٤٤١