أبيض اللون رقيق طعمه * طيب الريق إذا الريق خدع
وقيل : أصله الإخفاء ، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشئ ، حكاه ابن فارس وغيره . والمراد من مخادعتهم لله
أنهم صنعوا معه صنع المخادعين ، وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شئ لا يخدع . وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل
الفعل ، فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم . والمراد بالمخادعة من الله :
أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شئ ، فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام
وإبطال الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه . والمراد بمخادعة المؤمنين لهم : هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله
به من أحكام الإسلام ظاهرا وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم ، كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان
الكفر . والمراد بقوله تعالى ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين
لأنفسهم ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن . وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما
يخدع نفسه وما يشعر بذلك ، ومن هذا قول من قال : من خادعته فانخدع لك فقد خدعك . وقد قرأ نافع وابن
كثير وأبو عمرو " يخادعون " في الموضعين ، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن عامر في الثاني " يخدعون " . والمراد
بمخادعتهم أنفسهم . أنه يمنونها الأماني الباطلة وهي كذلك تمنيهم . قال أهل اللغة : شعرت بالشيء فطنت . قال
في الكشاف : والشعور علم الشئ علم حس ، من الشعار - ومشاعر الإنسان : حواسه . والمعنى : أن لحوق
ضرر ذلك لهم كالمحسوس ، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له . والمراد بالأنفس هنا ذواتهم لا سائر المعاني التي
تدخل في مسمى النفس كالروح والدم والقلب . وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس
أنهم المنافقون من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال : والمراد
بهذه الآية المنافقون . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة مثله . وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين قال : لم
يكن عندهم شئ أخوف من هذه الآية ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) . وأخرج
ابن سعد عن حذيفة أنه قيل له : ما النفاق ؟ قال : أن يتكلم بالإسلام ولا يعمل به . وأخرج أحمد بن منيع في مسنده
بسند ضعيف عن رجل من الصحابة " أن قائلا من المسلمين قال : يا رسول الله ما النجاة غدا ؟ قال : لا تخادع الله
قال : وكيف نخادع الله ؟ قال : أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره ، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله ، فإن المرائي
ينادى يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء : يا كافر يا فاجر يا خاسر يا غادر ، ضل عملك وبطل أجرك فلا
خلاق لك اليوم عند الله ، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع ، وقرأ آيات من القرآن - فمن كان يرجو لقاء
ربه فليعمل عملا صالحا - الآية ، و - إن المنافقين يخادعون الله - الآية " . وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال :
سألت ابن زيد عن قوله ( يخادعون الله والذين آمنوا ) قال : هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله ، والذين
آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروه . وعن قوله ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) أنهم ضروا أنفسهم بما
أضمروا من الكفر والنفاق . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله ( يخادعون الله ) قال : يظهرون لا إله
إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وفي أنفسهم غير ذلك .
المرض : كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر ، قاله ابن فارس .
وقيل : هو الألم ، فيكون على هذا مستعارا للفساد الذي في عقائدهم إما شكا ونفاقا ، أو جحدا وتكذيبا ، وتقديم
فتح القدير — صفحة 41
مساهمون: الشوكاني
ص٤١