يتضمن الحث على الجهاد والاعلام بأن الموت لابد منه . ومعنى ( بإذن الله ) بقضاء الله وقدره ، وقيل إن هذه
الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبين لهم أن الموت بالقتل
أو بغيره منوط بإذن الله ، وإسناده إلى النفس مع كونها غير مختارة له للإيذان بأنه لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا
بإذن الله . وقوله ( كتابا ) مصدر مؤكد لما قبله ، لأن معناه كتب الله الموت كتابا . والمؤجل : المؤقت الذي
لا يتقدم على أجله ولا يتأخر . قوله ( ومن يرد ) أي بعمله ( ثواب الدنيا ) كالغنيمة ونحوها ، واللفظ يعم كل
ما يسمى ثواب الدنيا ، وإن كان السبب خاصا ( نؤته منها ) أي من ثوابها على حذف المضاف ( ومن يرد ) بعمله
( ثواب الآخرة ) وهو الجنة نؤته من ثوابها ، ونضاعف له الحسنات أضعافا كثيرة ( وسنجزي الشاكرين ) بامتثال
ما أمرناهم به كالقتال ، ونهيانهم عنه كالفرار وقبول الإرجاف . وقوله ( وكأين ) قال الخليل وسيبويه : هي أي
دخلت عليها كاف التشبيه وثبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى كم ، وصورت في المصحف نونا ، لأنها كلمة
نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغيير معناها ، ثم كثر استعمالها فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها
أربع لغات قرئ بها : أحدها كائن مثل كاعن ، وبها قرأ ابن كثير ، ومثله قوله الشاعر :
وكائن بالأباطح من صديق * تراه لو أصبت هو المصابا
وقال آخر : وكائن رددنا عنكم من مدجج * بحي أمام الركب يردى مقنعا
وقال زهير : وكائن ترى من معجب لك شخصه * زيادته أو نقصه في التكلم
وكأين بالتشديد مثل كعين ، وبه قرأ الباقون وهو الأصل . والثالثة كأين مثل كعين مخففا . والرابعة كيئن
بياء بعدها همزة مكسورة ، ووقف أبو عمرو بغير نون فقال كأي لأنه تنوين ، ووقف الباقون بالنون . والمعنى
كثير من الأنبياء قتل معه ربيون قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب قتل على البناء للمجهول وهي قراءة ابن
عباس ، واختارها أبو حاتم ، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون في " قتل " ضمير يعود إلى النبي ، وحينئذ يكون قوله
( معه ربيون ) جملة حالية كما يقال : قتل الأمير معه جيش : أي ومعه جيش ، والوجه الثاني أن يكون القتل واقعا
على ربيون ، فلا يكون في قتل ضمير ، والمعنى : قتل بعض أصحابه وهم الربيون . وقرأ الكوفيون وابن عامر
" قاتل " وهي قراءة ابن مسعود واختارها أبو عبيد وقال : إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه ، وإذا
حمد من قتل لم يدخل فيه من قاتل ولم يقتل ، فقاتل أعم وأمدح ، ويرجح هذه القراءة الأخرى . والوجه الثاني من
القراءة الأولى قول الحسن : ما قتل نبي في حرب قط ، وكذا قال سعيد بن جبير والربيون بكسر الراء قراءة
الجمهور ، وقرأ على بضمها وابن عباس بفتحها ، وواحده ربي بالفتح منسوب إلى الرب والربي بضم الراء
وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء وضمها وهي الجماعة ، ولهذا فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة ،
وقيل هم الأتباع ، وقيل هم العلماء . قال الخليل : الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء وهم الربانيون
نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية . وقال الزجاج : الربيون بالضم الجماعات . قوله ( فما وهنوا ) عطف على
قاتل أو قتل . والوهن : انكسار الجد بالخوف . وقرأ الحسن " وهنوا " بكسر الهاء وضمها . قال أبو زيد : لغتان
وهن الشئ يهن وهنا : ضعف : أي ما وهنوا لقتل نبيهم أو لقتل من قتل منهم " وما ضعفوا " أي عن عدوهم
( وما استكانوا - ) لما أصابهم في الجهاد . والاستكانة : الذلة والخضوع وقرئ " وما وهنوا وما ضعفوا " بإسكان
الهاء والعين . وحكى الكسائي ضعفوا بفتح العين ، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم أحد وذل واستكان وضعف
بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان ولم يصنع كما صنع أصحاب من خلا من قبلهم من الرسل . قوله ( وما كان
فتح القدير — صفحة 386
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٦