الطين ، وقرئ : فيكون طائرا وطيرا ، مثل تاجر وتجر ، وقيل إنه لم يخلق غير الخفاش لما فيه من عجائب الصنعة ،
فإن له ثديا وأسنانا وأذنا ويحيض ويطهر ، وقيل إنهم طلبوا خلق الخفاش لما فيه من العجائب المذكورة ،
ولكونه يطير بغير ريش ، ويلد كما يلد سائر الحيوانات مع كونه من الطير ، ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ،
ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر
ساعة ، وهو يضحك كما يضحك الإنسان ، وقيل إن سؤالهم له كان على وجه التعنت ، قيل كان يطير ما دام
الناس ينظرونه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الله من فعل غيره وقوله ( بإذن الله ) فيه دليل على
أنه لولا الإذن من الله عز وجل لم يقدر على ذلك ، وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى
عليه السلام ، قيل كانت تسوية الطين والنفخ من عيسى ، والخلق من الله عز وجل . قوله ( وأبرئ أو الأكمه )
الأكمه : للذي يولد أعمى ، كذا قال أبو عبيدة . وقال ابن فارس : الكمه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض ،
يقال كمه يكمه كمها : إذا عمى ، وكمهت عينه : إذا أعميتها ، وقيل الأكمه : الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ،
وقيل هو الممسوح العين . والبرص معروف وهو بياض يظهر في الجلد ، وقد كان عيسى عليه السلام يبرئ من
أمراض عدة كما اشتمل عليه الإنجيل ، وإنما خص الله سبحانه هذين المرضين بالذكر لأنهما لا يبرآن في الغالب
بالمداواة ، وكذلك إحياء الموتى قد اشتمل الإنجيل على قصص من ذلك . قوله ( وأنبئكم بما تأكلون ) أي أخبركم
بالذي تأكلونه وبالذي تدخرونه . قوله ( ومصدقا ) عطف على قوله ( ورسولا ) وقيل المعنى وجئتكم مصدقا .
قوله ( ولأحل ) أي ولأجل أن أحل : أي جئتكم بآية من ربكم وجئتكم لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم من
الأطعمة في التوراة كالشحوم وكل ذي ظفر ، وقيل إنما أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار ولم تحرمه التوراة .
وقال أبو عبيدة : يجوز أن يكون بعض بمعنى كل ، وأنشد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها
قال القرطبي : وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ، لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل ،
ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرمته عليهم التوراة ، فإنه لم يحلل القتل ولا السرق ولا الفاحشة وغير ذلك من
المحرمات الثابتة في الإنجيل مع كونها ثابتة في التوراة وهي كثيرة يعرف ذلك من يعرف الكتابين ، ولكنه قد يقع
البعض موقع الكل مع القرينة كقول الشاعر :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض
أي بعض الشر أهون من كله . قوله ( بآية من ربكم ) هي قوله ( إن الله ربي وربكم ) وإنما كان ذلك آية ، لأن
من قبله من الرسل كانوا يقولون ذلك ، فمجيئه بما جاءت به الرسل يكون علامة على نبوته . ويحتمل أن تكون هذه
الآية هي الآية المتقدمة فتكون تكريرا لقوله ( أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ) الآية .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( بكلمة ) قال : عيسى هو الكلمة
من الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المهد : مضجع الصبي في رضاعه . وقد
ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى . وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلى ،
فجاءته أمه فدعته فقال : أجيبها أو أصلى ؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ، وكان جريج في
صومعة فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت من جريج ، فأتوه
فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه ، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال الراعي ، قالوا :
نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا إلا من طين . وكانت امرأة من بني إسرائيل ترضع ابنا لها ، فمر بها رجل
فتح القدير — صفحة 342
مساهمون: الشوكاني
ص٣٤٢