مزيد الثواب للمستخرجين للحق وهم الأئمة المجتهدون ، وقد ذكر الزمخشري والرازي وغيرهما وجوها هذا أحسنها
وبقيتها لا تستحق الذكر ها هنا . قوله ( كل من عند ربنا ) فيه ضمير مقدر عائد على قسمي المحكم والمتشابه : أي
كله ، أو المحذوف غير ضمير : أي كل واحد منهما وهذا من تمام المقول المذكور قبله . وقوله ( وما يذكر إلا
أولو الألباب ) أي العقول الخالصة : وهم الراسخون في العلم ، الواقفون عند متشابهه ، العالمون بمحكمه العاملون
بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية . وقوله ( ربنا لا تزغ ) الخ من تمام ما يقوله الراسخون : أي يقولون آمنا به كل من
عند ربنا ، ويقولون ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) قال ابن كيسان : سألوا ألا يزيغوا فتزيغ قلوبهم نحو قوله تعالى - فلما
زاغوا أزاغ الله قلوبهم - كأنهم لما سمعوا قوله سبحانه ( وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) قالوا ( ربنا
لا تزغ قلوبنا ) باتباع المتشابه ( بعد إذ هديتنا ) إلى الحق بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات والظرف وهو
قوله " بعد " منتصب بقوله : لا تزغ . قوله ( وهب لنا من لدنك رحمة ) أي كائنة من عندك ، ومن لابتداء الغاية
ولدن بفتح اللام وضم الدال وسكون النون ، وفيه لغات أخر هذه أفصحها وهو ظرف مكان وقد يضاف إلى
الزمان ، وتنكير رحمة للتعظيم أي رحمة عظيمة واسعة وقوله ( إنك أنت الوهاب ) تعليل للسؤال أو لإعطاء
المسؤول . وقوله ( ربنا إنك جامع الناس ) أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم ( ليوم ) هو يوم القيامة أي لحساب يوم
أو لجزاء يوم على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامة . قوله ( لا ريب فيه ) أي في وقوعه ووقوع
ما فيه من الحساب والجزاء ، وقد تقدم تفسير الريب ، وجملة قوله ( إن الله لا يخلف الميعاد ) للتعليل لمضمون ما قبلها :
أي أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه وخلفه يخالف الألوهية كما أنها تنافيه وتباينه .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده
وفرائضه وما نؤمن به ونعمل به والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره ، وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل
به . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال في قوله ( منه
آيات محكمات ) قال : الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات - قل تعالوا - والآيتان بعدها . وفي رواية عنه
أخرجها عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ( آيات محكمات ) قال : من هنا - قل تعالوا -
إلى ثلاث آيات ، ومن هنا - وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه - إلى ثلاث آيات بعدها . وأقول : رحم الله ابن عباس
ما أقل جدوى هذا الكلام المنقول عنه . فإن تعيين ثلاث آيات أو عشر أو مائة من جميع آيات القرآن ووصفها بأنها
محكمة ليس تحته من الفائدة شئ ، فالمحكمات هي أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى على قوله المنقول عنه قريبا
من أن المحكمات ناسخه وحلاله الخ ، فما معنى تعيين تلك الآيات من آخر سورة الأنعام . وأخرج عبد بن حميد عنه
قال : المحكمات : الحلال والحرام ، وللسلف أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدمنا في أول هذا البحث . وأخرج ابن
جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) يعني أهل الشك ، فيحملون
المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم ، ويلبسون فلبس الله عليهم ( وما يعلم تأويله إلا الله ) قال : تأويله يوم القيامة
لا يعلمه إلا الله . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ( زيغ ) قال : شك . وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت
" تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) إلى قوله ( فأما الذين في قلوبهم زيغ )
إلى قوله ( أولوا الألباب ) قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين
عني فاحذروهم " . وفي لفظ " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذي سماهم الله فاحذروهم " هذا لفظ
البخاري ولفظ ابن جرير وغيره " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عني الله فلا
فتح القدير — صفحة 318
مساهمون: الشوكاني
ص٣١٨