بذلك ، وذكر الدين بعد ذكر ما يغني عنه من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله - ولا طائر يطير بجناحيه - وقيل إنه
ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله ( فاكتبوه ) ولو قال : فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله ( إذا
تداينتم بدين ) ، والدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا ، والآخر في الذمة نسيئة ، فإن العين
عند العرب ما كان حاضرا ، والدين ما كان غائبا ، قال الشاعر :
وعدتنا بدرهمينا طلاء * وسواء معجلا غير دين
وقال الآخر : إذا ما أو قدوا نارا وحطبا * فذاك الموت نقدا غير دين
وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله ( إلى أجل مسمى ) وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز
وخصوصا أجل السلم . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " من أسلف في تمر فليسلف في
كيل معلوم إلى أجل معلوم " وقد قال بذلك الجمهور ، واشترطوا توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين ، قالوا : ولا
يجوز إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك وجوزه مالك . قوله ( فاكتبوه ) أي الدين بأجله لأنه
أدفع للنزاع وأقطع للخلاف . قوله ( وليكتب بينكم كاتب ) هو بيان لكيفية الكتابة المأمور بها ، وظاهر الأمر
الوجوب ، وبه قال عطاء والشعبي وغيرهما ، فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك ، ولم يوجد كاتب
سواه ، وقيل الأمر للندب . وقوله ( بالعدل ) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل : أي
يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين ، وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه
الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر ، بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم . قوله ( ولا يأب
كاتب ) النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم : أي لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين كما علمه الله :
أي على الطريقة التي علمه الله من الكتابة ، أو كما علمه الله بقوله ( بالعدل ) قوله ( وليمل الذي عليه الحق ) الإملال
والإملاء لغتان : الأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم ، فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى ،
وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى - فهي تملى عليه بكرة وأصيلا - ( والذي عليه الحق ) هو من عليه الدين ، أمره الله
تعالى بالإملاء ، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته ، وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكاتب ،
بالغ في ذلك بالجمع بين الاسم والوصف في قوله ( وليتق الله ربه ) ونهاه عن البخس وهو النقص ، وقيل إنه
نهى للكاتب . والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص ، ولو كان نهيا للكاتب لم يقتصر في نهيه
على النقص ، لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص . والسفيه هو الذي لا رأى له في حسن التصرف فلا
يحسن الأخذ ولا الإعطاء ، شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج ، والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة ،
وعلى ضعف البدن أخرى ، فمن الأول قول الشاعر :
نخاف أن تسفه أحلامنا * ونجهل الدهر مع الجاهل
ومن الثاني قول ذي الرمة :
مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم
أي استضعفها واستلانها بحركتها ، وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله بالصرف أو لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه
لا يجهل الصواب . والضعيف : هو الشيخ الكبير ، أو الصبي . قال أهل اللغة : الضعف بضم الضاد في البدن ،
وبفتحها في الرأي . والذي لا يستطيع أن يمل هو الأخرس أو العيي الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي ، وقيل إن
الضعيف هو المذهول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء ، والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير . قوله
فتح القدير — صفحة 300
مساهمون: الشوكاني
ص٣٠٠