يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة والسكنى من تركتهم ولا يخرجن من
مساكنهن . وقوله ( فإن خرجن ) يعني باختيارهن قبل الحول ( فلا جناح عليكم ) أي لا حرج على الولي والحاكم
وغيرهما ( فيما فعلن في أنفسهن ) من التعرض للخطاب والتزين لهم . وقوله ( من معروف ) أي بما هو معروف
في الشرع غير منكر . وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن ، وقيل المعنى
لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن وهو ضعيف ، لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله ( فيما فعلن ) وقوله
( وللمطلقات متاع ) قد اختلف المفسرون في هذه الآية ، فقيل هي المتعة ، وأنها واجبة لكل مطلقة ، وقيل إن هذه
الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن ، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج .
وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض أو عامة للمطلقات ،
وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض ، وغير الواجبة وهي متعة سائر
المطلقات فإنها مستحبة فقط ، وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة .
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان بن عفان ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا )
قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو لم تدعها ؟ قال : يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه . وأخرج ابن
أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة ، فنسختها آية
المواريث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج . وأخرج ابن جرير نحوه عن عطاء . وأخرج نحوه أيضا أبو داود
والنسائي عن ابن عباس من وجه آخر . وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : ليس للمتوفى
عنها زوجها نفقة حسبها الميراث . وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة قال : نسختها - والذين يتوفون
منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا - . وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن
أسلم نحوه . وأخرج أيضا عن قتادة نحوه . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( فلا جناح
عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ) قال : النكاح الحلال الطيب . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : لما
نزل قوله - متاعا بالمعروف حقا على المحسنين - قال رجل : إن أحسنت فعلت ، وإن لم أرد ذلك لم أفعل ، فأنزل
الله ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال : نسخت هذه
الآية بقوله - وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم - . وأخرج أيضا عن
عتاب بن خصيف في قوله ( وللمطلقات متاع ) قال : كان ذلك قبل الفرائض . وأخرج مالك وعبد الرزاق
والشافعي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال : لكل مطلقة متعة إلا التي تطلقها ولم تدخل بها
وقد فرض لها ، كفى بالنصف متاعا . وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : لكل مؤمنة طلقت حرة أو
أمة متعة ، وقرأ ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) . وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال : " لما
طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال لزوجها : متعها ، قال : لا أجد
ما أمتعها ، قال : فإنه لا بد من المتاع ، متعها ولو نصف صاع من تمر " . وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية
في الآية ، قال : لكل مطلقة متعة .
فتح القدير — صفحة 260
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٠