السائلون هنا : هم المؤمنون سألوا عن الشئ الذي ينفقونه ما هو ؟ فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه
تنبيها على أنه الأولى بالقصد ، لأن الشئ لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه ، وقيل إنه قد
تضمن قوله ( ما أنفقتم من خير ) بيان وهو ما ينفقونه وهو كل خير ، وقيل إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون
فيها ، وهو خلاف الظاهر . وقد تقدم الكلام في الأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل . وقوله ( كتب ) أي
فرض ، وقد تقدم بيان معناه . بين سبحانه أن هذا : أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به . والمراد بالقتال
قتال الكفار . والكره بالضم : المشقة ، وبالفتح : ما أكرهت عليه ، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين ،
يقال : كرهت الشئ كرها وكرها وكراهة وكراهية وأكرهته عليه إكراها ، وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج
المال ، ومفارقة الأهل والوطن ، والتعرض لذهاب النفس ، وفي التعبير بالمصدر وهو قوله ( كره ) مبالغة ،
ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم الدرهم ضرب الأمير . وقوله ( وعسى أن تكرهوا شيئا ) قيل عسى
هنا بمعنى قد ، وروى ذلك عن الأصم . وقال أبو عبيدة : عسى من الله إيجاب ، والمعنى : عسى أن تكرهوا
الجهاد لما فيه من المشقة وهو خير لكم ، فربما تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات مات شهيدا ،
وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم ، فربما يتقوى عليكم العدو فيغلبكم ، ويقصدكم إلى عقر دياركم
فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة ( والله يعلم )
ما فيه صلاحكم وفلاحكم ( وأنتم لا تعلمون ) .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في قوله ( يسألونك ماذا ينفقون ) قال : يوم نزلت هذه الآية
لم تكن زكاة ، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله ، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة . وأخرج ابن جرير وابن
المنذر عن ابن جريج قال : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين يضعون أموالهم ؟ فنزلت
( يسألونك ماذا ينفقون ) الآية ، فذلك النفقة في التطوع والزكاة سواء ذلك كله . وأخرج ابن المنذر أن عمرو بن
الجموح سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ؟ فنزلت . وأخرج ابن
أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( كتب عليكم القتال ) قال : إن الله أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والمؤمنين بمكة بالتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يكفوا أيديهم عن القتال ، فلما هاجر إلى المدينة نزلت
سائر الفرائض وأذن لهم في القتال ، فنزلت ( كتب عليكم القتال ) يعنى فرض عليكم وأذن لهم بعد ما نهاهم عنه ( وهو
كره لكم ) يعنى القتال وهو مشقة عليكم ( وعسى أن تكرهوا شيئا ) يعنى الجهاد قتال المشركين وهو خير لكم ،
ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة ( وعسى أن تحبوا شيئا ) يعنى القعود عن الجهاد ( وهو شر لكم ) فيجعل الله
عاقبته شرا ، فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال :
فتح القدير — صفحة 216
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٦