فليكلمنا حتى نسمع كلامه ، فأنزل الله في ذلك ( وقال الذين لا يعلمون ) الآية . وأخرج عبد بن حميد وابن
جرير عن قتادة أنهم كفار العرب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : هم النصارى والذين من
قبلهم يهود .
قوله ( بشيرا ونذيرا ) يحتمل أن يكون منصوبا على الحال ، ويحتمل أن يكون مفعولا له : أي أرسلناك لأجل
التبشير والإنذار . وقوله ( ولا تسئل ) قرأه الجمهور بالرفع مبنيا للمجهول : أي حال كونك غير مسؤول ، وقرئ
بالرفع مبنيا للمعلوم . قال الأخفش : ويكون في موضع الحال عطفا على ( بشيرا ونذيرا ) أي حال كونك غير سائل
عنهم ، لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم ، وقرأ نافع ( ولا تسئل ) بالجزم : أي لا يصدر
منك السؤال عن هؤلاء أو لا يصدر منك السؤال عمن مات منهم على كفره ومعصيته تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه : أي
أن هذا أمر فظيع وخطب شنيع ، يتعاظم المتكلم أن يجريه على لسانه أو يتعاظم السامع أن يسمعه . قوله ( ولن ترضى
عنك اليهود ) الآية : أي ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ويوردونه من التعنتات ،
فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون وأوجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك ، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل
في دينهم ويتبع ملتهم . والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه وهكذا الشريعة ، ثم رد عليهم
سبحانه فأمره بأن يقول لهم ( إن هدى الله هو الهدى ) الحقيقي ، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة
ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في
طلب ما يوافقهم ، ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته وتحذيرا لهم أن يواقعوا شيئا من ذلك ، أو يدخلوا في أهوية أهل
الملل ويطلبوا رضا أهل البدع . وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع منه الأفئدة ،
ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه ، ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين
بمذاهب السوء ، التاركين للعمل بالكتاب والسنة ، المؤثرين لمحض الرأي عليهما ، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر
قبولا وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله والوقوع في حبائله ، فإن فعل العالم ذلك
بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله ، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي
ضلالة محضة ، وجهالة بينة ورأي منهار ، وتقليد على شفا جرف هار ، فهو إذ ذاك ماله من الله من ولي ولا نصير
ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة وهالك بلا شك ولا شبهة . وقوله ( الذين آتيناهم الكتاب ) قيل : هم المسلمون
والكتاب هو القرآن ، وقيل من أسلم من أهل الكتاب ، والمراد بقوله ( يتلونه ) أنهم يعملون بما فيه فيحللون حلاله
فتح القدير — صفحة 135
مساهمون: الشوكاني
ص١٣٥