Skip to main content

فتح الباري — Page 470

Contributors:

P.470
فكأن المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معي واحد والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الاكل وانما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها فكأنه عبر عن تناول الدنيا بالاكل وعن أسباب ذلك بالأمعاء ووجه العلاقة ظاهر وقيل المعنى أن المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحرام والحلال أقل من الحرام في الوجود نقله ابن التين ونقل الطحاوي نحو الذي قبله عن أبي جعفر بن أبي عمران فقال حمل قوم هذا الحديث على الرغبة في الدنيا كما تقول فلان يأكل الدنيا أكلا أي يرغب فيها ويحرص عليها فمعنى المؤمن يأكل في معي واحد أي يزهد فيها فلا يتناول منها الا قليلا والكافر في سبعة أي يرغب فيها فيستكثر منها وقيل المراد حض المؤمن على قلة الاكل إذا علم أن كثرة الاكل صفة الكافر فان نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر ويدل على أن كثرة الاكل من صفة الكفار قوله تعالى والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام وقيل بل هو على ظاهره ثم اختلفوا في ذلك على أقوال * أحدها أنه ورد في شخص بعينه واللام عهدية لا جنسية جزم بذلك ابن عبد البر فقال لا سبيل إلى حمله على العموم لان المشاهدة تدفعه فكم من كافر يكون أقل أكلا من مؤمن وعكسه وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله قال وحديث أبي هريرة يدل على أنه ورد في رجل بعينه ولذلك عقب به مالك الحديث المطلق وكذا البخاري فكأنه قال هذا إذا كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء فلما أسلم عوفي وبورك له في نفسه فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه وهو كافر اه‍ وقد سبقه إلى ذلك الطحاوي في مشكل الآثار فقال قيل إن هذا الحديث كان في كافر مخصوص وهو الذي شرب حلاب السبع شياه قال وليس للحديث عندنا محمل غير هذا الوجه والسابق إلى ذلك أولا أبو عبيدة وقد تعقب هذا الحمل بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم فلذلك منع الذي رآه يأكل كثيرا من الدخول عليه واحتج بالحديث ثم كيف يتأتى حمله على شخص بعينه مع ما تقدم من ترجيح تعدد الواقعة ويورد الحديث المذكور عقب كل واحدة منها في حق الذي وقع له نحو ذلك * القول الثاني أن الحديث خرج مخرج الغالب وليست حقيقة العدد مرادة قالوا تخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كما في قوله تعالى والبحر يمده من بعده سبعة أبحر والمعنى أن من شأن المؤمن التقلل من الاكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بان مقصود الشرع من الاكل ما يسد الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة ولخشيته أيضا من حساب ما زاد على ذلك والكافر بخلاف ذلك كله فإنه لا يقف مع مقصود الشرع بل هو تابع لشهوة نفسه مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام فصار أكل المؤمن لما ذكرته إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه يقدر السبع منه ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا اما بحسب العادة واما لعارض يعرض له من مرض باطن أو لغير ذلك ويكون في الكفار من يأكل قليلا اما لمراعاة الصحة على رأى الأطباء واما للرياضة على رأى الرهبان واما لعارض كضعف المعدة قال الطيبي ومحصل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة بخلاف الكافر فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يقدح في الحديث ومن هذا قوله تعالى الزاني لا ينكح الا زانية أو مشركة الآية وقد يوجد من الزاني نكاح