حياتهم وتشتد عليهم الأزمة والمحنة من جانب المخالفين ، فكانوا يعيشون بين
أقوام كأنّهم أعداء ألداء ، وكان المؤمنون بهم في قلّة ، فصارت حياتهم المشحونة
بالبلايا والنوازل ، والبأساء والضراء ، مظنّة لأن يتخيّل كل من وقف عليها من نبي
وغيره ، انّ ما وعدوا به وعد غير صادق ، ولكن لم يبرح الوضع على هذا المنوال حتى
يفاجئهم نصره سبحانه ، للمؤمنين ، وإهلاكه وإبادته للمخالفين كما يقول : ( فَنُجِّىَ
مَن نَشاءُ ولا يُردُّ بأسُنا عنِ القومِ المُجْرمين ) . ( 1 ) ويشعر بما ذكرناه قوله
سبحانه : ( أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ
وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ
اللهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) . ( 2 ) فالمراد من الرسول هو غير النبي
الأكرم من الرسل السابقين ، فعندما كانت البأساء والضراء تحدق بالمؤمنين ونفس
الرسول ، وكانت المحن تزلزل المؤمنين حتى أنّها كانت تحبس الأنفاس ، فعند ذلك كانت
تكاد تلك الأنفاس المحبوسة والآلام المكنونة تتفجر في شكل ضراعة إلى الله ، فيقول
الرسول والذين آمنوا معه ( متى نصر الله ) ؟ فإنّ كلمة ( متى نصر الله ) مقرونة
بالضراعة والالتماس ، تقع مظنة تصور استيلاء اليأس والقنوط عليهم لا بمعنى وجودهما في
أرواحهم وقلوبهم ، بل بالمعنى الذي عرفت من كونه ظاهراً من أحوالهم لا من أقوالهم .
وما برح الوضع على هذا إلى أن كان النصر ينزل عليهم وتنقشع عنهم سحب اليأس والقنوط
المنتزع من تلك الحالة .
هذا ما وصلنا إليه في تفسير الآية ، ولعلّ القارئ يجد تفسيراً أوقع في النفس مما
ذكرناه .
هامش
1 . يوسف : 110 .
2 . البقرة : 214 .