بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه
إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم .
فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن . ( 1 ) وقد أشرنا في صدر البحث إلى اختلاف
الروايات في المراد من الفتح الوارد في الآية وقلنا بأنّ هذا الاختلاف لا يؤثر
فيما نرتئيه ، فلاحظ .
الآية الخامسة : العصمة والتولّي عن الأعمى
استدلّ المخالف لعصمة النبي الأعظم بالعتاب الوارد في الآيات التالية : ( عَبَسَ
وتَوَلَّى * أنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أوْ
يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأنْتَ لَهُ
تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ ألاَّ يَزَّكَّى * وَأمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى *
وَهُوَ يَخْشَى * فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) ( 2 )
روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الأعمى أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن
ربيعة ، وأبا جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف ، يدعوهم
إلى الله ويرجو إسلامهم ؛ فقال عبد الله : إقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله ، فجعل
ينادي ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه
رسول الله لقطعه كلامه ، وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه العميان
والسفلة والعبيد ، فعبس ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأعرض عنه ، وأقبل على القوم الذين
يكلّمهم ، فنزلت الآيات ، وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه ، وإذا رآه يقول : مرحباً بمن
عاتبني فيه ربّي . ( 3 ) ويقول : هل لك من حاجة ، واستخلفه
هامش
1 . بحار الأنوار : 17 / 90 .
2 . عبس : 1 - 10 .
3 . أسباب النزول للواحدي : 252 .