Skip to main content

إرشاد القلوب — Page 125

Contributors:

P.125
ازددت يقينا فدل على أنه يشاهد الآخرة مع الغيب عنها وقال عليه السلام ما من أحد منكم إلا قد عاين الجنة والنار إن كنتم تصدقون بالقرآن صدق لأن اليقين بالقرآن يقين بكل ما تضمنه من وعد ووعيد وهو أيضا في قلب العارف كالعلم البديهي الذي لا يندفع ولأجل هذا منعنا من أن المؤمن يكفر بعد المعرفة والإيمان فإن عارض أحد بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قلنا آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم كما قال الله تعالى قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فالإسلام نطق باللسان واعتقاد بالقلب فلما علم سبحانه أنهم لم يعتقدوا ما نطقوا به حقا نفى عنهم أنهم مؤمنون فأول مقامات الإيمان المعرفة ثم اليقين ثم التصديق ثم الإخلاص ثم شهادة بذلك كله والإيمان اسم لهذه الأمور كلها فأولها النظر بالفكر في الأدلة ونتيجة المعرفة فإذا حصلت المعرفة لزم التصديق وإذا حصل التصديق والمعرفة لوجد اليقين فإذا صح اليقين أخالت أنوار السعادة في قلب بتصديق ما وعد به من رزق في الدنيا وثواب في الآخرة وخشعت الجوارح من مخافة ما توعد به من العقاب وقامت بالعمل والزجر عن المحارم وحاسب العقل النفس على التقصير في الذكر والتنبيه على الفكر فأصبح صاحب هذا الحال نطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره اعتبارا واليقين يدعو إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد والزهد ينتج النطق بالحكمة لخلو البال من هموم الدنيا لقوله عليه السلام من زهد في الدنيا استراح قلبه وبدنه ومن رغب فيها تعب قلبه وبدنه فلا يبقى له نظر إلا إلى الله ولا رجوع إلا إليه كما مدح الله سبحانه إبراهيم عليه السلام بقوله إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يعني رجاع إلى الله لا نظر له للدنيا وعلى قدر يقين العبد يكون إخلاصه وتقواه وهذه الأحوال الصحيحة توجب لصاحبها حالا يراها بين اليقظة والنوم ويحصل باليقين ارتفاع معارضات الوساوس النفسانية لأنه رؤية العيان بحقائق الإيمان وهو أيضا ارتفاع الريب بمشاهدة الغيب وهو سكون النفس دون جولان الموارد ومتى استكمل القلب بحقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة والرخاء مصيبة حتى أنه يستعذب البلاء ويستوحش لمطالعة العافية