قوله تعالى ( قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) قال ( معنى هذا الاستثناء أنهم
يخلدون في عذاب النار الأبد كله الخ ) قال أحمد : قد ثبت خلود الكفار في العذاب ثبوتا قطعيا ، فمن ثم اعتنى
العلماء بالكلام على الاستثناء في هذه الآية وفي أختها في سورة هود ، فذهب بعضهم إلى أنها شاملة لعصاة الموحدين
وللكفار ، والمستثنى العصاة لأنهم لا يخلدون ، وهذا تأويل أهل السنة ، وقد غلط الزمخشري في إنكاره في آية
هود وتناهى إلى ما نعوذ بالله منه ، فقدح في عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه راوي الحديث الشاهد لهذا
التأويل ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القدح في مثل عبد الله وهو من جملة الصحابة رضوان الله عليهم وفقهائهم
وزهادهم . وذهب بعضهم إلى أن هذا الاستثناء محدود بمشيئة رفع العذاب : أي مخلدون إلا أن يشاء الله لو شاء ،
وفائدته إظهار القدرة والإعلان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن
لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم ، وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل ،
وفيها على هذا الوجه دفع في صدر المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة ،
وأنه لا يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك . وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال : المراد والله
أعلم إلا ما شاء من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل لم يغاير المستثنى منه في
الحكم ، ونحن نبينه فنقول : العذاب والعياذ بالله على درجات متفاوتة ، فكأن المراد أنهم مخلدون في حبس العذاب
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 50
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٥٠