وقال أبو العباس : كان الفرّاء يجلس الناس ( 1 ) في مسجده إلى جانب منزله ، وكان ينزل بإزائه الواقديّ ( 2 ) . قال : وكان الفراء يتفلسف في تأليفاته وتصنيفاته ، حتى يسلك ( 3 ) في ألفاظه كلام الفلاسفة . وكان أكثر مقامه ببغداد ، وكان يجمع طوال دهره ، فإذا كان آخر السنة خرج إلى الكوفة ، فأقام بها أربعين يوما في أهله يفرّق فيهم ما جمعه ويبرهم . ولم يؤثر من شعره غير هذه الأبيات ، رواها أبو حنيفة الدّينوريّ ( 4 ) عن الطَّوال ( 5 ) :
يا أميرا على جريب من الأر * ض له تسعة من الحجّاب
جالسا في الخراب يحجب فيه ( 6 ) * ما سمعنا بحاجب في خراب
لن تراني لك العيون بباب * ليس مثلي يطيق ردّ الحجاب
وذكره ( 7 ) أبو عبيد اللَّه محمد بن عمران في كتابه ( 8 ) ، فقال : أبو زكرياء يحيى بن زياد الفرّاء ، كان زياد الأقطع أبوه ، شهد وقعة مع الحسين بن عليّ عليهما السلام ، فقطعت يده في تلك الحرب . وكان الفرّاء يميل إلى الاعتزال ( 9 ) .
هامش
( 1 ) الفهرست : « للناس » .
( 2 ) هو أبو عبد اللَّه محمد بن عمر بن واقد الأسلميّ الواقديّ ، صاحب التصانيف في الفتوح والمغازيّ ؛ ذكره صاحب شذرات الذهب في وفيات سنة 207 .
( 3 ) الفهرست : « يعنى يسلك » ، وفى ب : « حتى سلك » .
( 4 ) هو أحمد بن داود ؛ ترجم له المؤلف في الجزء الأول ص 76 - 79 .
( 5 ) هو محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الطوال ؛ من أهل الكوفة وأحد أصحاب الكسائي . توفى سنة 243 . بغية الوعاة 1 : 50 .
( 6 ) الفهرست : « عنه » .
( 7 ) في الأصلين : « وذكر » .
( 8 ) هو كتاب المقتبس ، ذكره المؤلف في ثبت مؤلفاته في الإنباه 3 : 182 .
( 9 ) نقل ابن خلكان الخبر ؛ ولكن ذكر بعده : « وهذا عندي فيه نظر ؛ لأنّ الفرّاء عاش ثلاثا وستين سنة ، فتكون ولادته سنة أربع وأربعين ومائة ، وحرب الحسين كانت سنة إحدى وسنين للهجرة ، فبين حرب الحسين وولادة الفراء أربع وثمانون سنة ، فكم قد عاش أبوه ! فإن كان الأقطع جده فيمكن . واللَّه أعلم » .