وسيّر رسولا من الموصل من بيت أتابك ( 1 ) إلى صلاح الدين ، وعاد إليهم ولم يقض ما سيّر فيه ، فتغيروا عليه ، فانتقل عنها إلى صلاح الدين ، فولاه ديوان ميّافارقين ، فلم يسغ له المقام بها مع سنقر الخلاطيّ أحد المماليك ، وقد كان ولى أمرها ، فرحل إلى دمشق وأقام ، وأجرى له بها رزق لم يكن كافيا ، فكان يمشّى حاله - فيما قيل - تمشية ظاهرها التجمل ، وتشعر بالتكلَّف . ووجد بدمشق زيد بن الحسن بن زيد الكنديّ النحويّ ، فكان يذاكره ويحاضره ، وامتدحه بقوله :
وارتحل إلى مصر في شهور سنة ست وثمانين ، ونزل على قاضيها عبد الملك بن درباس المارانى ( 2 ) الكرديّ ، وأنزله في دار في قبلة الجامع الأزهريّ ، بينها وبين الجامع عرصة درب غير نافذ ؛ ودخل الناس إليه للأخذ ، وكنت فيمن دخل عليه ، فرأيته شيخا دميم الخلقة ، مسنون الوجه ، مسترسل اللحية خفيفها ، أبيض تعلوه صفرة . وحضر من قرأ عليه منبرا في الفرائض من جدولته ، وكان القارئ له عليّ ابن جلال الدولة بن الدوريّ ؛ شاب نشأ يطلب العلم ولم يعمّر ، وأخرج إلينا كتابا في ستة عشر مجلدا لطافا ، فيه غريب الحديث له ، وقد عمل فيه رموز الحروف