فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ، ويلزمها ، فنونا من الوظائف جبرا لما فات منه ، وتداركا لما فرط ، فهكذا كان يعمل عمال الله تعالى . فقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة ، بأن تصدق بأرض كانت له قيمتها مائتا ألف درهم وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة . وأخر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان ، فأعتق رقبتين . وفات ابن أبي ربيعة ركعتا الفجر . فأعتق رقبة .
وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة ، أو الحج ماشيا ، أو التصدق بجميع ماله ، كل ذلك مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها فإن قلت : إن كانت نفسي لا تطاوعني على المجاهدة والمواظبة على الأوراد ، فما سبيل معالجتها ؟
فأقول : سبيلك في ذلك أن تسمعها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين [ 1 ] ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة ، فتلاحظ أقواله وتقتدي به . وكان بعضهم يقول : كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع ، وإلى اجتهاده ، فعملت على ذلك أسبوعا . إلا أن هذا العلاج قد تعذر ، إذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأوّلين ، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع ، فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ، ومطالعة أخبارهم وما كانوا فيه من الجهد الجهيد ، وقد انقضى تعبهم ، وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع ، فما أعظم ملكهم ، وما أشد حسرة من لا يقتدى بهم ، فيمتع نفسه أياما قلائل بشهوات مكدرة ، ثم يأتيه الموت ، ويحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد الآباد ! نعوذ باللَّه تعالى من ذلك ونحن نورد من أوصاف المجتهدين وفضائلهم ما يحرك رغبة المريد في الاجتهاد اقتداء بهم . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « رحم الله أقواما يحسبهم النّاس مرضى
شرح
[ 1 ] الأخبار الواردة في حق المجتهدين : أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين وله وللنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته وللترمذي من حديث بلال عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم - الحديث :
وقال غريب ولا يصح وقد تقدم في الأوراد مع غيره من الأخبار في ذلك
[ 2 ] حديث رحم الله أقواما تحسبهم مرضى وما هم بمرضى : لم أجد له أصلا في حديث مرفوع ولكن رواه أحمد في الزهد موقوفا على علي في كلام له قال فيه ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض