تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وهكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرغت لله ، وقدرت على التزود لآخرتك ، والاستعداد لخاتمتك . وإن جاوزت حد الضرورة إلى أودية الأماني تشعبت همومك ، ولم يبال الله في أي واد أهلكك فاقبل هذه النصيحة ممن هو أحوج إلى النصيحة منك واعلم أن متسع التدبير والتزود والاحتياط هذا العمر القصير . فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك ، اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك ، ولم تفارقك حسرتك وندامتك . فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه بضعف خوفك ، إذ لم يكن فيما وصفناه من أمر الخلقة كفاية في تخويفك ، فإنا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض القساوة عن قلبك ، فإنك تتحقق أن عقل الأنبياء ، والأولياء ، والعلماء ، وعملهم ومكانهم عند الله تعالى ، لم يكن دون عقلك ، وعملك ، ومكانك . فتأمل مع كلال بصيرتك ، وعمش عين قلبك في أحوالهم ، لم اشتدّ بهم الخوف ، وطال بهم الحزن والبكاء حتى كان بعضهم يصعق ، وبعضهم يدهش ، وبعضهم يسقط مغشيا عليه ، وبعضهم يخر ميتا إلى الأرض . ولاغرو إن كان ذلك لا يؤثر في قلبك ، فإن قلوب الغافلين مثل الحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يهبط من خشية الله ، وما الله بغافل عما تعملون بيان أحوال الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام في الخوف [ خوف رسول الله ( ص ) ] روت [ 1 ] عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة ، يتغير وجهه ، فيقوم ويتردد في الحجرة ، ويدخل ويخرج ، كل ذلك خوفا من عذاب الله [ 2 ] وقرأ صلى الله عليه وسلم آية في سورة الواقعة فصعق وقال تعالى * ( وخَرَّ مُوسى صَعِقاً « 1 » )
شرح
[ 1 ] حديث عائشة كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة تغير وجهه - الحديث : متفق عليه من حديث عائشة [ 2 ] حديث قرأ في سورة الحاقة فصعق المعروف فيما يروى من هذه القصة انه قرئ عنده إن لدنيا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما فصعق كما رواه ابن عدي والبيهقي في الشعب مرسلا وهكذا ذكره المصنف على الصواب في كتاب السماع كما تقدم
هامش
« 1 » الأعراف : 143