على ملأ من الأشهاد في القيامة ، ثم بعد ذلك [ 1 ] خطر الصراط ، [ 2 ] وهو أن الزبانية إلى آخر ما وردت به الأخبار . فلا يزال الشقي مترددا في جميع أحواله بين أصناف العذاب ، وهو في جملة الأحوال معذب إلا أن يتغمده الله برحمته ولا تظنن أن محل الإيمان يأكله التراب ، بل التراب يأكل جميع الجوارح ويبددها ، إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، فتجتمع الأجزاء المتفرقة ، وتعاد إليها الروح التي هي محل الإيمان وقد كانت من وقت الموت إلى الإعادة . إما في حواصل طيور خضر معلقة تحت العرش إن كانت سعيدة ، وإما على حالة تضاد هذه الحال إن كانت والعياذ باللَّه شقية فإن قلت : فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها على التفصيل ، ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها . أما الختم على الشك والجحود فينحصر سببه في شيئين .
أحدهما : يتصور مع تمام الورع والزهد ، وتمام الصلاح في الأعمال ، كالمبتدع الزاهد . فإن عاقبته مخطرة جدا ، وإن كانت أعماله صالحة . ولست أعنى مذهبا فأقول إنه بدعة ، فإن بيان ذلك يطول القول فيه . بل أعنى بالبدعة أن يعتقد الرجل في ذات الله ، وصفاته ، وأفعاله خلاف الحق ، فيعتقده على خلاف ما هو عليه ، إما برأيه ، ومعقوله ، ونظره الذي به يجادل الخصم ، وعليه يعول ، وبه يغتر ، وإما أخذ بالتقليد ممن هذا حاله . فإذا قرب الموت ، وظهرت له ناصية ملك الموت ، واضطراب القلب بما فيه ، ربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا إذ حال الموت حال كشف الغطاء ، ومبادئ سكراته منه ، فقد ينكشف به بعض الأمور . فمهما بطل عنده ما كان اعتقده ، وقد كان قاطعا به متيقنا له عند نفسه ، لم يظن بنفسه أنه أخطأ في هذا الاعتقاد خاصة ، لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد ، وعقله الناقص . بل ظن أن كل ما اعتقده لا أصل له ، إذ لم يكن عنده فرق بين إيمانه باللَّه ورسوله وسائر اعتقاداته الصحيحة ، وبين اعتقاده الفاسد ، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته ، أو لشكه فيها .
شرح
[ 1 ] حديث خطر الصراط : تقديم في قواعد العائد
[ 2 ] حديث هو ان الزبانية : الطبراني من حديث أنس الزبانية يوم القيامة أسرع إلى فسقة حملة القرءان منها إلى عبدة الأوثان والنيران قال صاحب الميزان حديث منكر وروى ابن وهب عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم معضلا في خزنة جهنم ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب