فالتمس أن يكون مشاهدا إحياء الميت بعينه ليثبت في خياله ، فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن به ، ولا تطمئن باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنة ، وذلك لا يكون في البداية أصلا . وكم من مطمئن لا يقين له ، كسائر أرباب الملل والمذاهب فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده ، وكذا النصراني ، ولا يقين لهم أصلا ، وإنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس . ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، وهو سبب اليقين ، إلا أنهم معرضون عنه . فإذا الجبن والجراءة غرائز ، ولا ينفع اليقين معها ، فهي أحد الأسباب التي تضاد حال التوكل ، كما أن ضعف اليقين بالخصال الأربعة أحد الأسباب .
وإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة باللَّه تعالى . وقد قيل مكتوب في التوراة : ملعون من ثقته إنسان مثله . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من استعز بالعبيد أذله الله تعالى » وإذا انكشف لك معنى التوكل ، وعلمت الحالة التي سميت توكلا ، فاعلم أن تلك الحالة لها في القوّة والضعف ثلاث درجات : . الدرجة الأولى : ما ذكرناه ، وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى ، والثقة بكفالته وعنايته ، كحاله في الثقة بالوكيل الثانية : وهي أقوى ، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه . فإنه لا يعرف غيرها ، ولا يفزع إلى أحد سواها ، ولا يعتمد إلا إياها . فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها . وإن نابه أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه ، وأول خاطر يخطر على قلبه أمه ، فإنها مفزعه . فإنه قد وثق بكفالتها ، وكفايتها ، وشفقتها ، ثقة ليست خالية عن نوع إدراك بالتمييز الذي له ، ويظن أنه طبع من حديث إن الصبي لو طولب بتفصيل هذه الخصال لم يقدر على تلقين لفظه ، ولا على إحضاره مفصلا في ذهنه . ولكن كل ذلك وراء الإدراك . فمن كان باله إلى الله عز وجل ، ونظره إليه ، واعتماده ، عليه ، كلف به كما يكلف الصبي بأمه ، فيكون متوكلا حقا . فإن الطفل متوكل على أمه . والفرق بين هذا وبين الأول أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله ، إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته
شرح
[ 1 ] حديث من اعتز بالعبيد أذله الله : العقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في الحلية من حديث عمر أورده العقيلي في ترجمة عبد الله بن عبد الله الأموي وقال لا يتابع على حديثه وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخالف في روايته