لأن من لا كسب له ، ولا مال ورثه من كسب أبيه أو أحد قرابته ، فيأكل من أيدي الناس وإن أعطى بغير سؤال فإنما يعطى بدينه . ومتى يكون باطنه بحيث لو انكشف لا يعطى بدينه فيكون ما يأخذه حراما . وإن أعطى بسؤال فأين متن يطيب قلبه بالعطاء إذا سئل ؟ وأين من يقتصر في السؤال على حد الضرورة ؟
فإذا فتشت أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت وأن الطيب هو الكسب الذي اكتسبته بحلالك أنت أو مورثك . فإذا بعيد أن يجتمع الورع مع الأكل من أيدي الناس ، فنسأل الله تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره ، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه ، وبفضله عمن سواه يمنه وسعة جوده ، فإنه على ما يشاء قدير
بيان مقدار الغنى المحرم للسؤال
اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم « من سأل عن ظهر غنى فإنّما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر » صريح في التحريم . ولكن حد الغنى مشكل ، وتقديره عسير . وليس إلينا وضع المقادير ، بل يستدرك ذلك بالتوقيف وقد ورد في الحديث [ 1 ] « استغنوا بغنى الله تعالى عن غيره » قالوا وما هو ؟ قال « غداء يوم وعشاء ليلة » وفي حديث آخر [ 2 ] « من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذّهب فقد سأل إلحافا » وورد في لفظ آخر أربعون درهما . ومهما اختلفت التقديرات وصحت الأخبار فينبغي أن يقطع بورودها على أحوال مختلفة . فإن الحق في نفسه لا يكون إلا واحدا والتقدير ممتنع . وغاية الممكن فيه تقريب ولا يتم ذلك إلا بتقسيم محيط بأحوال المحتاجين فنقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا حقّ لابن آدم إلَّا في ثلاث طعام يقيم صلبه وثوب يوارى عورته وبيت يكنّه فما زاد فهو حساب » فلنجعل هذه الثلاث أصلا في الحاجات لبيان أجناسها والنظر في الأجناس والمقادير والأوقات
شرح
[ 1 ] حديث استغنوا بغنى الله قالوا وما هو قال غداء يوم وعشاء ليلة : تقدم في الزكاة من حديث سهل بن الحنظلية قالوا ما يغنيه قال ما يغديه أو يعشيه ولا حمد من حديث على بإسناد حسن قالوا وما ظهر غنى قال عشاء ليلته وأما اللفظ الذي ذكره المصنف فذكره صاحب الفردوس من حديث أبي هريرة
[ 2 ] حديث من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا وفي لفظ آخر أربعون درهما : تقدما في الزكاة