تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
ليرد عليه ، ويسوء إذا أصاب وأحسن خيفة من أن يرى أنه أعظم منه فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل . وأين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه ؟ فليت شعري من الذي عرف هذه الأخلاق من نفسه ، وسمع قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر » كيف يستعظم نفسه ، ويتكبر على غيره ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول إنه من أهل النار . وإنما العظيم من خلا عن هذا . ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظم وتكبر . والعالم هو الذي فهم أن الله تعالى قال له إن لك عندنا قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عندنا . ومن لم يعلم هذا من الدين فاسم العالم عليه كذب . ومن علمه لزمه أن لا يتكبر ولا يرى لنفسه قدرا . فهذا هو التكبر بالعلم والعمل الثالث : التكبر بالحسب والنسب . فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب ، وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد ، ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم . وثمرته على اللسان التفاخر به ، فيقول لغيره يا نبطي ، ويا هندى ، ويا أرمنى ، من أنت ؟ ومن أبوك فأنا فلان بن فلان ، وأين لمثلك أن يكلمني أو ينظر إلىّ ! ومع مثلي تتكلم ! وما يجرى مجراه . وذلك عرق دفين في النفس ، لا ينفك عنه نسيب ، وإن كان صالحا وعاقلا ، إلا أنه قد لا يترشح منه ذلك عند اعتدال الأحوال ، فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته ، وترشح منه ، كما روى عن أبي ذر أنه قال : قاولت رجلا عند النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] فقلت له يا ابن السوداء . فقال النبي صلَّى الله عليه وسلم « يا أبا ذرّ طفّ الصّاع طفّ الصّاع ليس لابن البيضاء على ابن السّوداء فضل » فقال أبو ذر رحمه الله : فاضطجعت وقلت للرجل قم فطأ على خدي ، فانظر كيف نبهه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنه رأى لنفسه فضلا بكونه ابن بيضاء ، وأن ذلك خطأ وجهل . وانظر كيف تاب وقلع من نفسه شجرة الكبر بأخمص قدم من تكبر عليه ، إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل . ومن ذلك ما روى أن رجلين تفاخرا
شرح
[ 1 ] حديث لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر : تقدم [ 2 ] حديث أبي ذر قاولت رجلا عند النبي صلَّى الله عليه وسلم فقلت له يا ابن السوداء - الحديث : ابن المبارك في البر والصلة مع اختلاف ولأحمد من حديثه ان النبي صلَّى الله عليه وسلم قال له انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود الا أن تفضله بتقوى
إحياء علوم الدين — صفحة 31 | الغزالي