بالسر وكشف الغطاء ، وله في مقصده طريق هو سالكه ، ومعاملات هو مثابر عليها وحالات تستقبله في معاملاته ، فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب ، أو قبول أو رد أو وصل أو هجر ، أو قرب أو بعد ، أو تلهف على فائت أو تعطش إلى منتظر ، أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس ، أو وحشة أو استئناس ، ووفاء بالوعد ، أو نقض للعهد ، أو خوف فراق ، أو فرح بوصال ، أو ذكر ملاحظة الحبيب ، ومدافعة الرقيب ، أو همول العبرات أو ترادف الحسرات ، أو طول الفراق ، أو عدة الوصال ، أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار ، فلا بد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه ، فيجري ذلك مجرى القدح الذي يورى زناد قلبه ، فتشتعل به نيرانه ، ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه ، ويهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعادته ، ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله ، وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه ، بل لكل كلام وجوه ، ولكل ذي فهم في اقتباس المعنى منه حظوظ ، ولنضرب لهذه التنزيلات والفهوم أمثلة كي لا يظن الجاهل أن المستمع لأبيات فيها ذكر الفم والخد والصدغ إنما يفهم منها ظواهرها ، ولا حاجة بنا إلى ذكر كيفية فهم المعاني من الأبيات ، ففي حكايات أهل السماع ما يكشف عن ذلك فقد حكى أن بعضهم سمع قائلا يقول :
قال الرسول غدا تزور
فقلت تعقل ما تقول
فاستفزه اللحن والقول ، وتواجد وجعل يكرر ذلك ويجعل مكان التاء نونا ، فيقول قال الرسول غدا نزور ، حتى غشي عليه من شدة الفرح واللذة والسرور ، فلما أفاق سئل عن وجده ممّ كان ، فقال ذكرت قول الرسول صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة مرة وحكى الرقي عن ابن الدراج أنه قال كنت أنا وابن الفوطي مارين على دجلة بين البصرة والأبلة ، فإذا بقصر حسن له منظرة ، وعليه رجل بين يديه جارية تغني وتقول
كل يوم تتلون
غير هذا بك أحسن
شرح
[ 1 ] حديث ان أهل الجنة يزورون ربهم في كل جمعة : الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وفيه عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين مختلف فيه وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال وقد روى سويد بن عمرو عن الأوزاعي شيئا من هذا