وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به . وأما الكسوة ففائدتها ستر عورة ، ودفع الحر والبرد والإبصار عن بشرته ، وهذا هو الأظهر عندي . وقال الحارث المحاسبي ، يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة ، والطعام لا يبقى عليه ، لما روى أنه [ 1 ] لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام . وهذا محتمل ، ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ، ونبت لحمه من حرام [ 2 ] فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى .
ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شر به مع الجهل ، حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى فإن قيل : فإذا كان الكل منصرفا إلى أغراضه ، فأي فرق بين نفسه وغيره ، وبين جهة وجهة ، وما مدرك هذا الفرق قلنا : عرف ذلك بما روي [ 3 ] أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما فسئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عن ذلك فنهى عن كسب الحجام . فروجع مرات فمنع منه . فقيل إن له أيتاما فقال « اعلفوه النّاضح » فهذا يدل على الفرق بين ما يأكله هو أو دابته . فإذا انفتح سبيل الفرق ، فقس عليه التفصيل الذي ذكرناه
مسألة :
الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله أن يوسع عليهم . وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر . وما أنفق على عياله فليقتصد ، وليكن وسطا بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير ، فليوسع عليه وإن كان غنيا فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلا ولم يجد شيئا . فإنه في ذلك الوقت فقير . وإن كان الفقير الذي حضر ضيفا تقيا ، لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره
شرح
[ 1 ] حديث لا تقبل صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة درهم وفيها درهم حرام : أحمد من حديث ابن عمرو قد تقدم
[ 2 ] حديث الجسد نبت من الحرام تقدم
[ 3 ] حديث ان رافع بن خديج مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما - الحديث : وفيه اعلفوه الناضح أحمد والطبراني من رواية عباية بن رفاعة بن خديج أن جده حين مات ترك جارية وناضحا وغلاما حجاما - الحديث وليس المراد بجده رافع بن خديج فإنه بقي إلى سنة أربع وسبعين فيحتمل أن المراد جده الأعلى وهو خديج ولم أر له ذكرا في الصحابة وفي رواية للطبراني عن عباية بن رفاعة عن أبيه قال مات أبي وفي رواية له عن عباية قال مات رفاعة على عهد النبي صلَّى الله عليه وسلم - الحديث : وهو مضطرب