تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
في الدنيا وكذلك كل ما سرق . وكذلك كان يعرف [ 1 ] أن في الناس من يربى في الدراهم والدنانير ، وما ترك رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية . وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي ، وهو محال . وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد ، إلا إذا وقع بين جماعة محصورين . بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين . إذ لم ينقل ذلك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من الصحابة . ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ، ولا في عصر من الأعصار فإن قلت : فكل عدد محصور في علم الله ، فما حد المحصور ؟ ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضا إن تمكن منه ، فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن ، وإنما يضبط بالتقريب فنقول : كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر ، كالألف والألفين ، فهو غير محصور . وما سهل ، كالعشرة والعشرين ، فهو محصور . وبين الطرفين أوساط متشابهة ، تلحق بأحد الطرفين بالظن . وما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب ، فإن الإثم حزاز القلوب . وفي مثل هذا المقام قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لوابصة [ 2 ] « استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك » وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثار الأول يقع فيها أطراف متقابلة ، واضحة في النفي والإثبات ، وأوساط متشابهة . فالمفتى يفتي بالظن وعلى المستفتى أن يستفتى قلبه ، فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه وبين الله ، فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي ، فإنه يفتي بالظاهر ، والله يتولى السرائر القسم الثالث : أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر . كحكم الأموال في زماننا هذا . فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور ، وقد حكمنا ثمّ بالتحريم ، فلنحكم هنا به . والذي نختاره خلاف ذلك . وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه ، احتمل أنه حرام وأنه حلال
شرح
[ 1 ] حديث إن في الناس من كان يربى في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم بالكلية هذا معروف وسيأتي حديث جابر بعده بحديثين وهو يدل على ذلك [ 2 ] حديث استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك وأفتوك قاله لوابصة تقدم .
إحياء علوم الدين — صفحة 46 | الغزالي