بالمواساة في المال ، فأحيه من حيث إن في طبعه طلب الراحة في الدنيا والسعادة في الآخرة فهو وسيلة إليهما ، فهو محب في الله وليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجل حظا البتة ، إذ الدعاء أمر به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، فيه جمع بين الدنيا والآخرة ومن ذلك قولهم ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة . وقال عيسى عليه السلام في دعائه اللهم لا تشمت بي عدوى ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتى لديني ولا تجعل الدنيا أكبر همى . فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا . ولم يقل ولا تجعل الدنيا أصلا من همى بل قال لا تجعلها أكبر همى . وقال نبينا صلَّى الله عليه وسلم في دعائه [ 1 ] اللَّهمّ إنّى أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا والآخرة « وقال اللَّهمّ [ 2 ] عافني من بلاء الدّنيا وبلاء الآخرة وعلى الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى ، فحب السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا ، كيف يكون مناقضا لحب الله ! والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين ، إحداهما أقرب من الأخرى . فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ، ولا يحبها اليوم ! وإنما يحبها غدا ، لأن الغد سيصير حالا راهنة . فالحالة الراهنة لا بد أن تكون مطلوبة أيضا . إلا أن الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها ، وهي التي احترز عنها الأنبياء والأولياء ، وأمروا بالاحتراز عنها ، وإلى ما لا يضاد ، وهي التي لم يمتنعوا منها ، كالنكاح الصحيح ، وأكل الحلال ، وغير ذلك . فما يضاد حظوظ الآخرة فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه ، أعنى أن يكرهه بعقله لا بطبعه ، كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته ، لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ، ولا يستلذه لو أكله ، فإن ذلك محال ولكن على معنى أنه يزجره عقله عن الإقدام عليه ، وتحصل فيه كراهة الضرر المتعلق به والمقصود من هذا أنه لو أحب أستاذه لأنه يواسيه ويعلمه ، أو تلميذه لأنه يتعلم منه ويخدمه وأحدهما حظ عاجل والآخر آجل ، لكان في زمرة المتحابين في الله . ولكن بشرط
شرح
[ 1 ] حديث اللهم أنى أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة الترمذي من حديث ابن عباس في الحديث الطويل في دعائه صلَّى الله عليه وسلم بعد صلاة الليل وقد تقدم
[ 2 ] حديث اللهم عافني من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة أحمد من حديث بشر بن أبي أرطاة نحوه بسند جيد