فمستلذ به ومحبوب ، بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا ، فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة ، ولا حسن في خلق وخلق ، ولكن لمناسبة باطنة توجب الألفة والموافقة ، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع ، والأشباه الباطنة خفية . ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها عبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] عن ذلك حيث قال « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » فالتناكر نتيجة التباين ، والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف . وفي بعض الألفاظ [ 2 ] « الأرواح جنود مجنّدة تلتقي فتتشامّ في الهواء » وقد كنى بعض العلماء عن هذا بأن قال ، إن الله تعالى خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا ، وأطافها حول العرش فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا ، تواصلا في الدنيا ، وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ أرواح المؤمنين ليلتقيان على مسيرة يوم وما رأى أحدهما صاحبه قطَّ » وروى [ 4 ] أن امرأة بمكة كانت تضحك النساء وكانت بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدينة ، فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأضحكتها . فقالت أين نزلت ؟
فذكرت لها صاحبتها . فقالت صدق الله ورسوله ، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول « الأرواح جنود مجنّدة » الحديث والحق في هذا أن المشاهدة والتجربة تشهد للائتلاف عند التناسب ، والتناسب في الطباع والأخلاق باطنا وظاهرا أمر مفهوم وأما الأسباب التي أوجبت تلك المناسبة ، فليس في قوة البشر الاطلاع عليها . وغاية هذيان المنجم أن يقول ، إذا كان طالعه على تسديس طالع غيره أو تثليثه ، فهذا نظر الموافقة
شرح
[ 1 ] حديث الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف : مسلم من حديث أبي هريرة والبخاري تعليقا من حديث عائشة
[ 2 ] حديث الأرواح تلتقي فتتشام في الهواء للطبراني في الأوسط بسند ضعيف من حديث على أن الأرواح في الهواء جند مجندة تلتقي فتشام الحديث
[ 3 ] حديث ان أرواح المؤمنين ليلتقيان على مسيرة يوم وما رأى أحدهما صاحبه قط : أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ تلتقي وقال أحدهم وفيه ابن لهيعة عن دراج
[ 4 ] حديث إن امرأة بمكة كانت تضحك النساء وكانت بالمدينة أخرى فنزلت المكية على المدينة فدخلت على عائشة فذكرت حديث الأرواح جنود مجندة الحسن بن سفيان في مسنده بالقصة بسند حسن وحديث عائشة عند البخاري تعليقا مختصرا دونها كما تقدم