أحدهما : أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد ، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل ، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد والثاني : أنه قهر لعدوّ لله عز وجل ، فان وسيلة الشيطان لعنه الله الشهوات ، وانما تقوى الشهوات بالاكل والشرب . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الشّيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدّم فضيّقوا مجاريه بالجوع » . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها « داومى [ 2 ] قرع باب الجنّة . قالت : بما ذا ؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم : بالجوع » .
وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام وعلاجه من ربع المهلكات فلما كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا لمجاريه ، استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل ، ففي قمع عدوّ الله نصرة لله سبحانه ، وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له ، قال الله تعالى : * ( إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ « 1 » ) * فالبداية بالجهد من العبد ، والجزاء بالهداية من الله عز وجل ، ولذلك قال تعالى * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * « 2 » وقال تعالى : * ( إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) * « 3 » وانما التغيير تكثير الشهوات ، فهي مرتع الشياطين ومرعاهم ، فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم ، وما داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه .
وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السّموات » فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة ، وصار جنة .
وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة ، بذكر أركانه ، وسننه ، وشروطه الباطنة . ونبين ذلك بثلاثة فصول :
شرح
[ 1 ] حديث ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم - الحديث : متفق عليه من حديث صفية دون قوله فضيقوا مجاريه بالجوع
[ 2 ] حديث قال لعائشة داومى قرع باب الجنة - الحديث : لم أجد له أصلا
[ 3 ] حديث لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم - الحديث : أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه
هامش
« 1 » محمد : 7
« 2 » العنكبوت : 69
« 3 » الرعد : 11