ومعيار ذلك ومحكه أن ينظر إلى ميل نفسه إلى الشكر حيث لا ينتهى الخبر إلى المعطى ، ولا إلى من يرغب في عطائه ، وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في اخفائها ، وعادتهم أنهم لا يعطون الا من يخفى ولا يشكر ، فان استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنة في الشكر والتحدث بالنعمة ، وإلا فهو مغرور ثم إذا علم أن باعثه السنة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطى فينظر :
فإن كان هو ممن يحب الشكر والنشر فينبغي أن يخفى ولا يشكر ، لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم ، وطلبه الشكر ظلم وإذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فعند ذلك يشكره ويظهر صدقته .
ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] للرجل الذي مدح بين يديه : « ضربتم عنقه ، لو سمعها ما أفلح » مع أنه صلَّى الله عليه وسلم كان يثنى على قوم في وجوههم لثقته بيقينهم وعلمه بأن ذلك لا يضرهم بل يزيد في رغبتهم في الخير فقال لواحد [ 2 ] « إنّه سيّد أهل الوبر » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] في آخر « إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه » وسمع كلام رجل فأعجبه فقال صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ من البيان لسحرا » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 5 ] « إذا علم أحدكم من أخيه خيرا فليخبره فإنّه يزداد رغبة في الخير » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 6 ] « إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه » وقال الثوري : من عرف نفسه لم يضره مدح الناس
شرح
[ 1 ] حديث قال للرجل الذي مدح بين يديه ضربتم عنقه لو سمعها ما أفلح : متفق عليه من حديث أبي بكرة بلفظ ويحك قطعت عنق صاحبك زاد طب في رواية والله لو سمعها ما أفلح أبدا وفي سنده على ابن زيد بن جدعان متكلم فيه وله نحوه من حديث أبي موسى
[ 2 ] حديث أنه سيد الوبر : العنبري وطب وابن قانع في معاجمهم وحب في الثقات من حديث قيس بن عاصم المنقري أن النبي صلَّى الله عليه وسلم قال له ذلك
[ 3 ] حديث إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه : ه من حديث ابن عمر ورواه د في المراسيل من حديث الشعبي مرسلا بسند صحيح وقال روى متصلا وهو ضعف وك نحوه من حديث معبد بن خالد الأنصاري عن أبيه وصحح أسناده
[ 4 ] حديث أن من البيان لسحرا : خ من حديث ابن عمر
[ 5 ] حديث إذا علم أحدكم من أخيه خيرا فليخبره فإنه يزداد رغبة في الخير : قط في العلل من رواية ابن المسيب عن أبي هريرة وقال لا يصح عن الزهري وزوي عن ابن المسيب مرسلا
[ 6 ] حديث إذا مدح المؤمن ربا الايمان في قلبه : طب من حديث أسامة بن زيد بسند ضعيف