فإنه كان صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « يتناول الطَّعام ، ويقول : تسحّروا »
و « هلمّوا إلى الغذاء المبارك » [ 2 ]
فهذه أمور يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلا ، وبعضها يعلم بغالب الظن ، وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس . فكل ذلك حرام وضلالة ، وإفساد للدين على الخلق ، ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم ، فلا يظهر
لقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « من فسّر القرءان برأيه فليتبوأ مقعده من النّار »
معنى إلا هذا النمط ، وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه ، فيستجر شهادة القرءان إليه ، ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية .
ولا ينبغي أن يفهم منه أن يجب أن لا يفسر القرءان بالاستنباط والفكر ، فان من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة ، ويعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلَّى الله عليه وسلم ، فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع ، فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم وطول الفكر . ولهذا
قال صلَّى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه [ 4 ] « اللَّهمّ فقّهه في الدّين وعلَّمه التّأويل »
ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق ، يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع : كمن يضع في كل مسألة يراها حقا حديثا عن النبي صلَّى الله عليه وسلم ، فذلك ظلم وضلال ، ودخول في الوعيد المفهوم من
قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 5 ] « من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار »
شرح
[ 1 ] حديث
تناول الطعام في السحور : البخاري من حديث أنس أن النبي صلَّى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا
[ 2 ] حديث
هلموا إلى الغذاء المبارك : أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث العرباض بن سارية وضعفه ابن القطان
[ 3 ] حديث
من فسر القرءان برأيه فليتبوأ مقعده من النار : الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه وهو عند أبي داود من رواية ابن العبد وعند النسائي في الكبرى
[ 4 ] حديث
اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل - قاله لابن عباس : البخاري من حديث ابن عباس دون قوله :
وعلمه التأويل ، وهو بهذه الزيادة عند أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الاسناد .
[ 5 ] حديث
من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار : متفق عليه من حديث أبي هريرة وعلي وأنس