وقال عطاء رحمه الله : مجلس ذكر يكفّر سبعين مجلسا من مجالس اللهو . فقد اتخذ المزخرفون هذه الأحاديث حجة على تزكية أنفسهم ، ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم ، وذهلوا عن طريق الذكر المحمود ، واشتغلوا بالقصص التي تتطرق إليها الاختلافات والزيادة والنقص ، وتخرج عن القصص الواردة في القرءان وتزيد عليها ، فان من القصص ما ينفع سماعه ، ومنها ما يضر وإن كان صدقا . ومن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب ، والنافع بالضار ، فمن هذا نهى عنه . ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمه الله : ما أحوج الناس إلى قاص صادق ! فان كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بأمور دينهم ، وكان القاص صادقا صحيح الرواية ، فلست أرى به بأسا . فليحذر الكذب وحكايات أحوال تومئ إلى هفوات أو مساهلات يقصر فهم العوام عن درك معانيها ، أو عن كونها هفوة نادرة مردفة بتكفيرات متداركة بحسنات تغطي عليها ، فان العامي يعتصم بذلك في مساهلاته وهفواته ويمهد لنفسه عذرا فيه ، ويحتج بأنه حكى كيت وكيت عن بعض المشايخ وبعض الأكابر ، فكلنا بصدد المعاصي ، فلا غرو إن عصيت الله تعالى فقد عصاه من هو أكبر منى ، ويفيده ذلك جراءة على الله تعالى من حيث لا يدرى . فبعد الاحتراز عن هذين المحذورين فلا بأس به ، وعند ذلك يرجع إلى القصص المحمودة ، وإلى ما يشتمل عليه القرءان ، ويصح في الكتب الصحيحة من الأخبار ومن الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ، ويزعم أن قصده فيها دعوة الخلق إلى الحق ، فهذه من نزغات الشيطان ، فان في الصدق مندوحة عن الكذب ، وفيما ذكر الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلم غنية عن الاختراع في الوعظ ، كيف وقد كره تكلف السجع وعد ذلك من التصنع ؟ قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه يسجع :
هذا الذي يبغّضك إلىّ ، لا قضيت حاجتك أبدا حتى تتوب ! وقد كان جاءه في حاجة .
وقد قال صلَّى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة في سجع من ثلاث كلمات [ 1 ] : « إيّاك والسّجع يا ابن رواحة »
شرح
[ 1 ] حديث
إياك والسجع يا ابن رواحة لم أجده هكذا ولأحمد وأبي يعلى وابن السني وأبي نعيم في كتاب الرياضة من حديث عائشة بإسناد صحيح أنها قالت للسائب إياك والسجع فان النبي صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا لا يسجعون ، ولابن حبان : واجتنب السجع ، وفي البخاري نحوه من قول ابن عباس