وكذلك المخاطبات التي تجرى من منكر ونكير ، وفي الميزان والصراط والحساب ، ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم : * ( أَفِيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ) * زعموا أن ذلك كله بلسان الحال وغلا آخرون في حسم الباب ، منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه حتى منع تأويل قوله :
* ( كُنْ فَيَكُونُ ) * وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكوّن ، حتى سمعت بعض أصحابه يقول : إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ :
قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الحجر الأسود يمين الله في أرضه »
وقوله صلَّى الله عليه وسلم « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن »
وقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] إنّى لأجد نفس الرّحمن من جانب اليمن «
ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر والظن بأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار ، والنزول ليس هو الانتقال ، ولكنه منع من التأويل حسما للباب ، ورعاية لصلاح الخلق ، فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق ، وخرج الأمر عن الضبط ، وجاوز حد الاقتصاد ، إذ حد ما جاوز الاقتصاد لا ينضبط ، فلا بأس بهذا الزجر ويشهد له سيرة السلف ، فإنهم كانوا يقولون أمرّوها كما جاءت ، حتى قال مالك رحمه الله لما سئل عن الاستواء : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وذهبت طائفة إلى الاقتصاد ، وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه ، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ، ومنعوا التأويل فيه وهم الأشعرية وزاد المعتزلة عليهم حتى أوّلوا من صفاته تعالى الرؤية ، وأوّلوا كونه سميعا بصيرا ، وأوّلوا المعراج ، وزعموا أنه لم يكن بالجسد ، وأوّلوا عذاب القبر ، والميزان ، والصراط ، وجملة من أحكام الآخرة ، ولكن أقروا بحشر الأجساد ، وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة ، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الجلود ويذيب الشحوم
شرح
[ 1 ] حديث
الحجر يمين الله في الأرض الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمرو
[ 2 ] حديث
انى لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن أحمد من حديث أبي هريرة في حديث قال فيه وأجد نفس ربكم من قبل اليمن ورجاله ثقات