واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه .
وزاد بعضهم قسماً آخر من أقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضاً غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال :
فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب :
وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ( العنكبوت : 69 ) وقال : ( وجاهدوا في الله ) ( الحج : 78 ) وفي حديث جابر : ( أن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال : يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ولقد أوذيت في الله ) وما يؤذي أحد .
وهذا يفهم منه معنيان :
أحدهما : أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الانسان باختياره كما في الحديث : « تعلمت فيك العلم » .
والثاني : أنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم ( ذلك في الله ) في هذا المعنى فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولقد أوذيت في الله ) وقول خبيب : ( وذلك في ذات الإله ) وقول عبد الله بن هزام : ( حتى أقتل فيك ) وكذلك في قوله : ( والذين جاهدوا فينا ) ( العنكبوت : 69 ) فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه .
وليست ( في ) هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية وإن كانت السببية هي
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 70
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧٠