تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله عن علي بن عبد الله ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت : ( والضُحى والليلِ ) إلى قوله : ( ولسوفَ يُعطيكَ رَبُكَ فَترضى ) قال : أعطاني ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له ) . قالوا : وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها فالزهد فيها لا ينافي الغنى بل زهد الغنى أكمل من زهد الفقير فان الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال غناه أزهد الخلق وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا . وقد روى الترمذي في جامعة من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق بما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك . وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً قال : نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يخزن إذا نقصت . وقال بعض السلف : الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره . وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فان هذا ليس بزاهد .
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 315 | ابن قيم الجوزية / محمد عثمان الخشت