تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
مستقل في المسألة يوضحه أن الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أعلى من الصابر فإذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر كان أفضل من الصابر في درجتين . قالوا : وفي الصحيحين من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل والنهار ) فجعل الغني مع الانفاق بمنزلة القرآن مع القيام به . قالوا : وقد صرح في حديث أبي كبشة الأنماري : أن صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه واتقى فيه ربه ووصل به رحمه وأخرج منه حق الله فهو في أعلى المنازل عند الله وهذا تصريح في تفضيله وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله وقال ذلك بلسانه ثانياً وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء فان كلا منهما نوى خيراً وعمل ما يقدر عليه فالغني نواه ونفذه بعلمه والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه فاستويا في الأجر من هذه الجهة ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله فان الأجر على العمل والنية له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول ومن ذوي الحج ولم يكن له مال يحج به وان أثيب على ذلك فان ثواب من باشر أعمال الحج مع النية له مزية عليه . وإذا أردت فهم هذا فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه ) ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل الله من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وان بلغ منزلة الشهيد فهاهنا أجران : أجر وقرب فان استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثراً زائداً وقربا خاصاً وهو فضل الله يؤتيه من يشاء وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا تواجه المسلمان
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 306 | ابن قيم الجوزية / محمد عثمان الخشت