ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكدا إذا عاين تكاثره هباء منثورا وعلم دنياه التي كاثر بها انما كانت خدعا وغرورا فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه فعذب بتكاثره في دنياه ثم عذب به في البرزخ ثم يعذب به يوم القيامة فكان أشقى بتكاثره إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين فياله تكاثراً ما أقله ورزءا ما أجله من غنى جالباً لكل فقر وخيراً توصل به إلى كل شر يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه : ( يا ليتني قدمت لحياتي ) ( الفجر : 24 ) وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ) ( المؤمنون : 99 - 100 ) تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها .
وتأمل قوله أولاً : ( رب ) استغاث بربه ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا باحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى فقال : ( ارجعون ) ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له : ( كلا ) لا سبيل لك إلى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر .
ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحاً لو أجيب وانما ذلك شيء يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهى عنه وأنه من الكاذبين فحكمة أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى إجابته إلى ما سأل فإنه لا فائدة في ذلك ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الأولى كما قال تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدأ لهم
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين — صفحة 228
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٢٨