علماء أهل السنّة ، وسمّيت هذه الطائفة بالمخطئة .
وقد صرّحوا بأنّ للمصيب من المجتهدين أجرين ، وللمخطئ منهم أجراً واحداً ؛ لما تحمّله من الكدّ والمشقّة في سبيل استخراج الحكم .
وقد خالفهم في ذلك جماعة أُخرى من علماء أهل السنّة ، فقالوا بإصابة كلّ واحد من المجتهدين في اجتهاداتهم ، سواء أكانوا متّفقين في الاستنباط أم مختلفين ، وسمّيت هذه الطائفة بالمصوّبة .
ومرجع البحث بين الطائفتين إلى أنّ هل لله تعالى في كلّ واقعة لا قاطع عليها من الدليل حكم مخصوص يجب على المجتهد أن يطلبه ويبذل سعيه في تحصيله ، فإن وصل إليه اجتهاده فقد أصاب وإلا فقد أخطأ أم ليس لله تعالى في الظنّيات حكم ، بل الحكم الإلهي فيها تابع لآراء المجتهدين ، فما أدّت إليه أنظارهم ، وانتهت إليه أفكارهم فهو حكم الله ، فلا يتصوّر فيه خطأ أصلًا ؟
وقد يخطر بالبال أنّه إذا لم يكن للحكم وجود حسب الواقع فما معنى الاجتهاد فيه . فإنّ الاجتهاد كما عرّفه ابن الحاجب استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعي ، واستفراغ الوسع عبارة عن صرف الجهد وبذل الطاقة في طلب الحكم ، والطلب موقوف على العلم بوجود المطلوب ؛ لاستحالة تحقّق الطلب بلا علم بوجود المطلوب ، وكيف يطلب المجتهد المصوّب أمراً يعلم بعدم وجوده ؟ وهل هذا إلا جمع بين النقيضين ؟ ! ثمّ إنّ تحصيل الظنّ لمعرفة شيء موقوف على العلم بتحقّق ذلك الشيء ، فإذا كان المجتهد يعلم بعدم تحقّق للمظنون فما معنى تحصيل الظنّ في معرفته ؟ ! وإن شئت قلت : إنّ الظنّ بالحكم موقوف على وجود الحكم ؛ لأنّ الظنّ بالنسبة إلى المظنون من قبيل العرض بالنسبة إلى المعروض ، فإذا كان وجود الحكم موقوفاً على وجود الظنّ ، كما يقول به المصوّب لدار .
احتجّ أصحاب التصويب بأنّه لو كان لله تعالى في كلّ واقعة حكم معيّن لكان الحاكم بغيره عند الخطأ فاسقاً وكافراً ؛ لقوله تعالى : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله ) *
الإجتهاد والتقليد — صفحة 42
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٤٢