فظنوا أنهم مواقعوها " أي : تيقنوا أنهم مواقعوها ، وأما قوله في المنافقين : " ويظنون
بالله الظنونا " فليس ذلك بيقين ولكنه شك ، فاللفظ واحد في الظاهر ، ومخالف
في الباطن ، وكذلك قوله : " الرحمن على العرش استوى " يعني : استوى تدبيره
وعلا أمره ، وقوله ، " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " وقوله : " هو
معكم أينما كنتم " وقوله : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " فإنما أراد
بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه ، وأن فعله فعلهم .
فافهم عني ما أقول لك ، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج في صدرك
وصدر من لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه ، فلا يجد مجيبا عما يسأل
عنه ، لعموم الطغيان ، والافتنان ، واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب ، إلى الاكتتام
والاحتجاب ، خيفة أهل الظلم والبغي .
أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا ، والباطل ظاهرا
مشهورا ، وذلك إذا كان أولى الناس به أعدائهم له ، واقترب الوعد الحق ، وعظم
الإلحاد ، وظهر الفساد ، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، ونحلهم
الكفار أسماء الأشرار ، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه
ثم يتيح الله الفرج لأوليائه ، ويظهر صاحب الأمر على أعدائه .
وأما قوله : " ويتلوه شاهد منه " فذلك حجة الله أقامها على خلقه ، وعرفهم
أنه لا يستحق مجلس النبي إلا من يقوم مقامه ، ولا يتلوه إلا من يكون في الطهارة
مثله ، لئلا يتسع لمن ماسه حس الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق
بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليضيق العذر على من يعينه على إثمه وظلمه ، إذ كان
الله قد خطر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه وأوليائه ، بقوله لإبراهيم :
" لا ينال عهدي الظالمين " أي : المشركين ، لأنه سمى الظلم شركا بقوله : " إن الشرك
لظلم عظيم " فلما علم إبراهيم عليه السلام أن عهد الله تبارك وتعالى اسمه بالإمامة لا
ينال عبدة الأصنام ، قال : " فاجنبني وبني أن نعبد الأصنام "
واعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين ، والكفار على الأبرار ، فقد افترى
الاحتجاج — صفحة 373
مساهمون: أحمد بن علي الطبرسي
ص٣٧٣