ولا يجوز عليه الأفول ، ( 1 ) لم يلد فيكون مولودا ، ولم يولد فيصير محدودا ( 2 )
جل عن اتخاذ الأبناء ، وطهر عن ملامسة النساء ، لا تناله الأوهام فتقدره ، ولا تتوهمه
الفطن فتصوره ، ولا تدركه الحواس فتحسه ، ولا تلمسه الأيدي فتمسه ، ولا يتغير
بحال ، ولا يتبدل بالأحوال ، ولا تبليه الليالي والأيام ، ولا يغيره الضياء والظلام ،
ولا يوصف بشئ من الأجزاء ، ولا الجوارح والأعضاء ، ولا بعرض من الأعراض
ولا بالغيرية والأبعاض ، ولا يقال له حد ولا نهاية ، ولا انقطاع ولا غاية ، ولا أن
الأشياء تحويه ، فتقله أو تهويه ، ولا أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله ، ( 3 ) ليس في
الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج ، يخبر لا بلسان ولهوات ، ويسمع لا بخروق
وأدوات ، يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفظ ، ويريد ولا يضمر ، يحب ويرضى
من غير رقة ، ويبغض ويغضب من غير مشقة ، ويقول - لما أراد كونه - : " كن
فيكون " لا بصوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه
ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ، ( 4 ) ولا يقال
هامش
( 1 ) لا يحول : لا يتغير . والأفول : الغيبة .
( 2 ) الولادة تحصل بانفصال شئ عن آخر من جنسه ونوعه ، فالوالد والولد
يشتركان في النوع والصنف والعوارض ، ولا يكون هذا الانفصال والتجزي إلا بواسطة
المادة القابلة للتجزأة ، وإذا كان كذلك فهو متولد من مادة وصورة . ويحتمل أن يكون
المراد بالمولود المخلوق ، فيكون المعنى لم يلد فيثبت كونه جسما مخلوقا . وعلى كلا التقديرين
سواء كان مولودا من مادة وصورة ، أو كان جسما مخلوقا ، فإنه يكون محدودا بالحدود
المنطقية ، والأبعاد الهندسية .
( 3 ) لا تناله الأوهام فنقدره بمقدار وكم ، وشكل وكيف ، والفطنة سرعة للفهم
ولا تتوهمه الفطن فتصوره بصور خيالية أو عقلية ، ولا تدركه الحواس بنحو المباشرة
ولا تلمسه وتحسه الأيدي بنحو المماسة ، ولا يتغير أبدا ، ولا يوصف بالغيرية والأبعاض
فصفاته لا يغاير بعضها بعضا ، وليس هو بذي مكان يحويه ، فيرتفع بارتفاعه وينخفض
بانخفاضه ، كما أنه غير محمول على شئ ، فيميله إلى جانب ، أو يعدله على ظهر من غير ميل
( 4 ) يحفظ عباده ويحرسهم ، ولا يتحرز ولا يخاف ويبغض ويغضب ولا
يستلزم بغضه وغضبه مشقة وانزعاجا ، كما هو الحال بالنسبة لنا مما يستلزمانه فينا من
فوران دم القلب واضطرابه ، يقول - لما أراد كونه - كن فيكون وليس المراد بالقول
هو التكلم الحقيقي حتى يكون له صوت يقرع الآذان فيسمع وإنما كلامه سبحانه هو
نفس فعله ، وخلقه للأشياء وتصويرها ينشؤه ويمثله لجبرئيل في اللوح وليس هو بقديم
ولو كان قديما لكان إلها ثانيا .