أورشليم تفكير وسلوك مطبوعان بما عند الأسينيين من تفكير وسلوك ، ولو مدة من الزمن .
لا شك أن الأسينيين اشتركوا اشتراكا فعالا في الثورة على الرومانيين . وقد زالوا عن التاريخ في
عاصفة السنة 70 . إن الأحداث التي أدت إلى خراب أورشليم تشهد على ما بلغه الغيظ عند الجماعات
اليهودية التي عانت تعسف الحكام الرومانيين . كان الغيورون يستغلون استغلالا كبيرا ذلك الغيظ الذي
كانت تغذيه أيضا جميع المعتقدات المستوحاة من الرؤى ، وقد نمت نموا كبيرا في فلسطين منذ القرن
الثاني قبل الميلاد . فقد ترسخ يوما بعد يوم في يقين اليهود أن الله لن يلبث أن يرد على تحدي وجود
الوثنية في الأرض المقدسة فيعود إلى إقامة عدله ويعيد إلى مختاريه امتيازاتهم ، إذ يبسط ملكوته على
الأرض بسطا يبهر العيون ، وهذا التدخل يجعل حدا للشدائد الحاضرة ويفتح عهدا جديدا خاليا من
الشر والإثم ، ويؤذن بقدوم ذلك العهد آخر الأمر تضاعف الكوارث والنكبات يرافقها ابتلاع جميع
أعداء الله من غير رجعة . إن جملة هذه المعتقدات تؤلف آراء اليهودية المتأخرة في أمور الأزمنة
الأخيرة . وكانت آراؤها في الخيرات التي يرجى الحصول عليها في الأزمنة الأخيرة أبعد من أن تكون
مجموعة محكمة التماسك ، بل كانت أقرب إلى فيض من الأفكار لا تخلو من الغموض ويعسر ضبطها .
ومع ذلك فما يمكن الوصول إلى معرفته هو أن هذه الآراء ، لما اقترب العهد المسيحي ، ازدادت تشددا
على الأقل في بعض البيئات . فقد بلغت بلايا إسرائيل مبلغا لم يبق من المعقول أن يرجو الناس بعده
ظهور مشيح بشري في التاريخ يستطيع أن يعيد ذات يوم إلى الشعب المختار كرامته . فكانوا ينتظرون
من الله وحده تبديل الحالة ، وكانوا يرون أن ذلك التحول الذي ينتظرونه بفروغ الصبر لن يحدث إلا
لصالح انقلاب يشمل الكون كله إذ يظهر بغتة عالم جديد برمته . ففي ذلك المشهد لرؤيا الأزمنة
الأخيرة ليس للمشيح نصيب كبير جدا في جميع الآراء . فإن مؤلفي الرؤى ، عندما يتكلمون عليه ،
كفوا ، على ما يبدو ، عن أن يروه شأنهم في الماضي مشيحا دنيويا مسحه يهوه ، وبعبارة أخرى ملكا
من ذرية داود يقوم بأعمال سياسية وعسكرية في جوهرها ، ليحقق بعون الله تحرير الشعب وازدهاره .
فهم يميلون بعد ذلك إلى إظهار المشيح بمظهر كائن من الملأ الأعلى أقرب إلى الله منه إلى البشر ،
ويطلق عليه في بضع رؤى اسم ابن الإنسان ، ولكنه يظل في جوهره وجها سماويا ليس له صلة
حقيقية بالناس وغير قابل للألم .
إن مجمل معتقدات أهل ذلك العصر في المشيح والأزمنة الأخيرة كانت من الأمور التي رجع إليها
المسيحيون لما أرادوا تحديد ما يؤمنون به في كلامهم على المسيح . غير أن المسيحيين تنبهوا لنصيب الألم
في مصير يسوع فاضطروا إلى أن يجعلوا معنى جديدا بأجمعه لأقوال معاصريهم في المشيح ورؤى
الأزمنة الأخيرة .
[ بعض النظرات إلى العالم اليوناني الروماني ]
كان العالم الروماني في أول العهد المسيحي الوريث الأول للإمبراطورية التي أنشأها الإسكندر
الكبير . فقد بقيت ، تحت طلاء روماني ، الإدارة الإقليمية نفسها وأحوال الحياة نفسها عند الجماعات
والأفراد ، وبكلمة واحدة المدنية نفسها ، وظلت اليونانية اللغة المشتركة . ونظرة إلى خريطة
الأمبراطورية الرومانية تظهر سعتها أكثر مما يظهرها كل تعداد . فرحابتها رحابة عالم بأسره وهي ترسخ
الكتاب المقدس — صفحة 19
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص١٩