بنحر الرفقة البعير والبعيرين ، ويتعاقبون فيما فضل من ظهرهم ، وهم قافلون
إلى أهليهم .
فقال : يا رسول الله ، لا تفعل ، فإن يكن للناس فضل من ظهرهم يكن
خيرا ، فالظهر اليوم رقاق ، ولكن أدع بفضل أزوادهم ثم اجمعها فادع الله فيها
بالبركة كما فعلت في منصرفنا من الحديبية حيث أرمنا ، فإن الله عز وجل
يستجيب لك ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان عنده فضل من زاد فليأت
به ، وأمر بالأنطاع فبسطت ، فجعل الرجل يأتي بالمد الدقيق والسويق والتمر ،
والقبضة من الدقيق والسويق والتمر والكسر فيوضع كل صنف من ذلك على
حدة ، وكل ذلك قليل ، فكان جميع ما جاءوا به من الدقيق والسويق والتمر
ثلاثة أفراق ( 1 ) حزرا ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلى ركعتين ، ثم دعا
الله عز وجل أن يبارك فيه .
فكان أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون جميعا حديثا واحدا ،
حضروا ذلك وعاينوه : أبو هريرة ، وأبو حميد الساعدي ، وأبو زرعة الجهني
معبد بن خالد ، وسهل بن سعد الساعدي ، رضي الله تبارك وتعالى عنهم .
قالوا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى مناديه : هلموا إلى الطعام خذوا
منه حاجتكم ، فأقبل الناس فجعل كل من جاء بوعاء ملأه . فقال بعضهم لقد
طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من تمر ، ولقد رأيت الأنطاع تفيض ،
وجئت بجرابين فملأت إحداهما سويقا والآخر خبزا ، وأخذت في ثوبي دقيقا ،
ما كفانا إلى المدينة ، فجعل الناس يتزودون الزاد حتى نهلوا عن آخرهم حتى
كان آخر ذلك أن أخذت الأنطاع ونثر ما عليها .
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف : أشهد أن لا إله إلا الله وأني
عبده ورسوله وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلا وقاه الله حر النار .
وكان الذين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأيهم الحباب بن المنذر بن
هامش
( 1 ) الأفراق : جمع فرق ، وهو مكيال المدينة يسع ثلاثة آصع ، أو يسع ستة عشر رطلا ، أو أربعة
أرباع . والحرز : التقدير والخرص . ( القاموس المحيط ) .