هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 3 / 438 ، كتاب الزكاة ، باب ( 54 ) خرص التمر ، حديث رقم ( 1481 ) .
قوله : " خرص التمر " أي مشروعيته ، والخرص بفتح المعجمة وحكى كسرها وبسكون الراء
بعدها مهملة ، هو حرز ما على النخل من الرطب تمرا .
حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره : أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب
مما تجب فيه الزكاة ، بعث السلطان خارصا ينظر فيقول : يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا ،
وكذا وكذا تمرا ، فيحصيه ، وينظر مبلغ العشر فيه ، فيثبته عليهم ، ويخلي بينهم وبين
الثمار ، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر .
وفائدة الخرص : التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها ، والبيع من زهورها ،
وإيثار الأهل والجيران والفقراء ، لأن منعهم منها تضيقا لا يخفى .
وقال الخطابي : أنكر أصحاب الرأي الخرص ، وقال بعضهم : إنما كان يفعل تخويفا
للمزارعين لئلا يخونوا ، إلا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور ، أو كان يجوز قبل تحريم
الربا والقمار وتعقبه الخطابي بأن تحريم الربا والميسر متقدم . والخرص عمل به في حياة
النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ، ثم أبو بكر وعمر - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - فمن بعدهم ، ولم
ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبي ، قال : وأما قولهم : إنه تخمين وغرر
فليس كذلك ، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر ، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من
المقادير .
وحكى أبو عبيد عن قوم منهم أن الخرص كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يوفق من
الصواب ما لا يوفق له غيره ، وتعقبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يسدد لما كان يسدد له ،
سواء أن تثبت بذلك الخصوصية ، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدد
فيه ، كتسديد الأنبياء لسقط الاتباع ، وترد هذه الحجة أيضا بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم الخراص في
زمانه ، والله - تعالى - أعلم .
واعتل الطحاوي بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة فتتلفها ، فيكون ما يؤخذ عن صاحبها
مأخوذ بدلا مما لم يسلم له ، وأجيب بأن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد
الخرص . قال ابن المنذر : أجمع من يحفظ عنه العلم أنم المخروص إذا أصابته جائحة قبل
الجذاذ فلا ضمان .
وفي هذا الحديث مشروعية الخرص ، وفيه أشياء من أعلام النبوة ، كالإخبار عن
الريح ، وما ذكر في تلك القصة ، وفيه تدريب الأتباع وتعليمهم ، وأخذ الحذر مما يتوقع الخوف
منه ، وفضل المدينة والأنصار ، ومشروعية المفاضلة بين الفضلاء بالاجمال والتعيين ،
ومشروعية الهدية والمكافأة عليها . ( فتح الباري ) .