( من هؤلاء ؟ قال : بنو أشجع . قال ) ( 1 ) : هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد !
فال العباس : أدخل الله قلوبهم الإسلام ، فهذا من فضل الله .
كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما طلعت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضراء ، طلع سواد وغبرة من سنابك
الخيل ، ومر الناس حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء بين أبي بكر ( 2 )
هامش
( 1 ) زيادة للسياق .
( 2 ) هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، وفي " مرة "
يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واسم أمه : أم الخير ، سلمي بنت صخر بن عامر ، ماتت مسلمة .
وفي تسميته بعتيق ثلاثة أقوال : أحدهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه فقال : هذا عتيق من النار .
والثاني أنه اسم سمته به أمه . الثالث : أنه سمي به لجمال وجهه . وكان رضي الله عنه أبيض نحيفا ،
خفيف العارضين ، معروق الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، يخضب شيبه بالحناء والكتم . وكان
أول من آمن من الرجال . وعن عائشة قالت : ما أسلم أحد من المهاجرين إلا أبو بكر .
وجاء أنه اتجر إلى بصري غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله . قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافينناه ، ما خلا أبا بكر ، فإن له عندنا يدا يكافيه الله بها
يوم القيامة ، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر
خليلا ، ألا وإن صاحبكم خليل الله " .
قال حسان بن ثابت ، وابن عباس ، وأسماء بنت أبي بكر ، وإبراهيم النخعي : أول من أسلم أبو بكر .
وكان له من الولد : عبد الله ، وأسماء ذات النطاقين وأمهما قتيلة . وعبد الرحمن وعائشة ، أمهما
أم رومان . ومحمد ، أمه أسماء بنت عميس . وأم كلثوم ، أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد ، وكان
أبو بكر لما هاجر إلى المدينة نزل على " خارجة " فتزوج ابنته .
فأما عبد الله : فإنه شهد الطائف . وأما أسماء : فتزوجها الزبير فولدت له عدة ثم طلقها ، فكانت
مع ابنها عبد الله إلى أن قتل . وعاشت مائة سنة . وأما عبد الرحمن : فشهد يوم بدر مع المشركين
ثم أسلم . وأما محمد : فكان من نساك قريش ، إلا أنه أعان على عثمان يوم الدار ، ثم ولاه علي
ابن أبي طالب مصر ، فقتله هناك صاحب معاوية ، وأما أم كلثوم : فتزوجها طلحة بن عبد الله رضي
الله عنه .
عن أسماء بنت أبي بكر قالت : جاء الصريخ إلى أبي بكر ، فقيل : له : أدرك صاحبك ، فخرج من
عندنا وإن له غدائر ، فدخل المسجد وهو يقول : ويلكم ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد
جاءكم بالبينات من ربكم ) ( 28 / غافر ) قال : فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا إلى أبي بكر ، فرجع
إلينا أبو بكر ، فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه ، وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام .
( الغدائر ) : الضفائر ، ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير ، أن أبا بكر شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا
وجميع المشاهد ، ولم يفته منها مشهد ، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين انهزم الناس ، ودفع
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك ، وأنه كان يملك يوم أسلم أربعين ألف درهم ، فكان
يعتق منها ويقوي المسلمين ، وهو أول من جمع القرآن ، وتنزه عن شرب المسكر في الجاهلية والإسلام ،
وهو أول من قاء تحرجا من الشبهات .
وذكر محمد بن إسحاق أنه أسلم على يده من العشرة خمسة : عثمان بن عفان ، وطلحة بن عبيد
الله ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم .
عن أبي سعيد قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الله عز وجل خير عبدا بين الدنيا وبين ما
عنده فاختار ذلك العبد ما عنده " . فبكي أبو بكر رحمة الله عليه ، فعجبنا من بكائه أن أخبر رسول
الله صلى الله عليه وسلم من عبد خير ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به . فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل
لاتخذت أبا بكر ، لكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر ،
أخرجاه في الصحيحين ، البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر " ،
ومسلم في باب من فضائل أبي بكر الصديق .
وعن الحسن قال : قال علي عليه السلام : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي
صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة ، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، فقدمنا أبا بكر .
وقالت عائشة : لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال وقال : قد كنت
أتجر فيه وألتمس به ، فلما وليتهم شغلوني . وأخرج ابن سعد نحوه من طريق الزهري ، عن عروة ،
عن عائشة قالت : لما ولي أبو بكر قال : قد علم قومي أن حرفتي لم تكن لتعجز عن مؤنة أهلي وقد
شغلت بأمر المسلمين ، وسأحترف للمسلمين في مالهم ، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال .
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو
أهله ثم قال : " أما بعد أيها الناس ، قد وليت أمركم ولست بخيركم ، ولكن قد نزل القرآن ، وسن
النبي صلى الله عليه وسلم السنن فعلمنا ، إعلموا أن أكيس الكيس التقوى ، وأن أحمق الحمق الفجور ، إن أقواكم عندي
الضعيف حتى آخذ له بحقه ، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق ، أيها الناس ، إنما أنا
متبع ولست بمبتدع ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن زغت فقوموني .
وعن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال : انظروا ماذا زاد في مالي منذ
دخلت في الإمارة ، فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي ، فنظرنا فإذا عبد نوبي ( نسبة إلى بلاد النوبة
جنوبي مصر ) كان يحمل صبيانه ، وإذا ناضح ( بعير يستقي عليه ) كان يسقي بستانا له ، فبعثنا بهما
إلى عمر . قالت : فأخبرني جدي أن عمر بكى وقال : رحمة الله على أبي بكر ، لقد أتعب من بعده
تعبا شديدا . روى أبو بكر رضي الله عنه مائة حديث واثنين وأربعين حديثا .
وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء ، لثمان ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة
من الهجرة ، وهو ابن ثلاث وستين ، وأوصي أن تغسله أسماء زوجته ، فغسلته ، وأن يدفن إلى جنب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر ، ونزل في حفرته ابنه عبد الرحمن ، وعمر ، وعثمان ،
وطلحة بن عبيد الله . رحمه الله ورضي عنه ، وحشرنا في زمرته ، وأماتنا على سنته ومحبته .
* ( طبقات ابن سعد ) : 3 / 169 - 213 ، ( تاريخ الطبري ) : 2 / 314 ، ( المعارف ) :
167 - 178 ، ( تاريخ الإسلام ) 3 / 105 - 122 ، ( صفة الصفوة ) : 1 / 123 - 139 ،
( معجم البلدان ) : 5 / 356 - 357 ، ( لسان العرب ) : 2 / 619 ( مادة نضح ) ، 5 / 11
( مادة غدر ) ، ( مسلم بشرح النووي ) : 15 / 158 كتاب ( 44 ) باب ( 1 ) حديث رقم ( 2 ) ،
( صحيح سنن الترمذي ) : 3 / 200 باب ( 52 / 33 ) حديث رقم ( 2894 ) ، ( صحيح ابن
ماجة ) : 1 / 22 باب ( 11 ) حديث رقم ( 77 ) ، ( السلسلة الصحيحة ) : حديث رقم ( 278 ) ،
( شذرات الذهب ) : 1 / 24 ، ( تاريخ الخلفاء ) : 21 - 85 ، ( العقد الفريد ) : 3 / 90 -
91 ، 176 ، ( تلقيح الفهوم ) : 104 - 106 ، ( أسماء الصحابة الرواة ) : 57 .