فقد ضيعت حين تبعت سهما * سفاهة ما سفهت وصل حلمي
ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بنى سهم برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأي * فألقوا للسباع دمي ولحمي
وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم وقيل غيره .
وزعم بعض أهل العلم أن عليا دعا طلحة فذكره أشياء من سوابقه على ما قال
للزبير فرجع عن قتاله واعتزل في بعض الصفوف فرمي بسهم في رجله ، وقال مروان
بعد ذلك : لا أطلب بثأري بعد اليوم والتفت إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيت بعض
قتلة أبيك ، وكان طلحة شديدا على عثمان ولذلك قال : ندمت ندامة الكسعي . وكان
عمره حين قتل ستين سنة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال الحافظ عبد الرزاق الصنعاني المولود سنة 126 والمتوفى سنة 211 في كتابه
" المصنف " ( ص 241 ) :
أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : لما ولي الزبير يوم الجمل بلغ عليا
فقال : لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولي . قال : وذلك أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال : أتحبه يا زبير ؟ فقال : وما يمنعني ؟ فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : فكيف أنت إذا قاتلته وأنت ظالم له ؟ قال : فيرون أنه إنما
ولي لذلك .
وقال العلامة أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي
القيرواني المغربي المالكي المولود سنة 251 والمتوفى سنة 333 في كتابه " المحن "
( ص 95 ط دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة 1403 ) :
وحدثني يحيى بن محمد بن يحيى بن سلام ، عن أبيه ، عن جده ، عن شريك بن
عبد الله ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن قال : قال رجل للزبير : أقتل عليا . قال :
كيف تقتله ؟ قال : أخبره أني منه ثم أقتله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا
يقتله مؤمن .
وحدثني محمد بن علي بن الحسن ، قال : حدثنا محمد بن علي الدعشي ، عن
إسماعيل بن أبان ، عن يزيد بن أبي زياد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال :
سمعت عليا يقول يوم الجمل : أين الزبير ؟ فجعلت أكلل الدواب حتى نظرت إليهما قد
اختلفت أعناق دابتيهما وعلي يقول له : أتذكر ؟ أتذكر ؟ فانصرف الزبير راجعا فقال
طلحة : ما شأنه ؟ فأخبروه ، فركب يشيعه فرماه مروان بن الحكم فقتله .
وقال الفاضل المعاصر مأمون غريب المصري القاهري في " خلافة علي بن
أبي طالب عليه السلام " ( ص 84 ط مكتبة غريب في القاهرة ) قال :
أمام مخيلاتهم ما أكثر الأفكار التي كانت تتزاحم في رؤوس المتحاربين ، فالزبير
كما يروي بعض الرواة قد شعر بالأحزان تملأ قلبه ، عندما علم أن عمار بن ياسر من
أتباع علي ، وأنه قدم معه ، لقد دارت في رأسه الأفكار والهواجس ، فقد سمع أن النبي
عليه الصلاة والسلام قال له ذات يوم : ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية .
وسمية هي أم عمار بن ياسر وكانت أول شهيد في الإسلام ، فماذا لو قتل عمار ؟ إن
معنى ذلك أن الفئة الباغية قتلته ، وهو في الفئة التي تحارب ضده .
ومهما كانت الظروف التي دفعت الزبير إلى التورط في هذه الفتنة ، فقد كان الرجل
محبا لرسول الله تقيا ، لا يريد أن يكون من الفئة الباغية ، ومن هنا كان موقفه من علي
ابن أبي طالب ، عندما انسحب من المعركة ، مؤثرا سلامة دينه ، فقد ناداه علي بن أبي
طالب من بين الصفوف ليحادثه ، وقد خرج الإمام بلا سلاح ، وعندما تقابل الرجلان
تعانقا ! وعاتبه الإمام وسأله : ما الذي أخرجك ؟
- دم عثمان .
وهنا ذكره الإمام بتلك القصة التي حدثت بينهما ذات يوم ، قال له : أما تذكر يوم
لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني بياضة وهو راكب حماره ، فضحك إلى
رسول الله ، وضحكت أنت معه ، فقلت أنت : يا رسول الله ما يدع علي زهوه .
فقال لك : ليس به زهو ، أتحبه يا زبير ؟ فقلت : إني والله لأحبه . فقال لك : إنك
والله ستقاتله وأنت له ظالم ، وتذكر الزبير هذه الحادثة فقال للإمام : أستغفر الله ، لو
ذكرتها ما خرجت ، وطلب منه الإمام الرجوع ، ولكن الزبير سأل الإمام كيف يرجع
والجيشان على أهبة القتال ، وأي عار سوف يلحقه لو انسحب ، فقال له الإمام : يا زبير
ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار ، وقرر الزبير أن يترك ميدان القتال ، وانسحب
عندما قامت المعركة حيث اغتيل في وادي السباع .
واضح إذن أن الثائرين في موقفهم هذا كانت تتفاعل في نفوسهم مشاعر متباينة
حتى أم المؤمنين عائشة هي الأخرى قد انتابتها هذه المشاعر المتباينة ، وأصابها الفزع
وهي في طريقها إلى البصرة . . فقد رأت ماء ، وسمعت الكلاب تنبح ، وعندما سألت
عن هذا المكان . . قالوا لها أنه ماء الحوأب .
لقد تذكرت حديث الرسول الكريم يوم قال النبي لنسائه في إيثار : ليت شعري
أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب .
وقال الفاضل المعاصر جميل إبراهيم حبيب البغدادي في " سيرة الزبير بن العوام "
( ص 142 ط الدار العربية للموسوعات ) :
وفي كتاب " وقعة الجمل " نفسه للغلابي البصري جاء في صدد اللقاء بين علي
وطلحة ولقى علي عليه السلام في حملته طلحة فقال : يا أبا محمد ما أخرجك ؟ قال :
الطلب بدم عثمان ، فقال علي : قتل الله قاتل عثمان ، أما تذكر يا أبا محمد قول النبي
صلى الله عليه وسلم : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فقال طلحة : أستغفر الله ، لو
ذكرتها ما خرجت .
فرجع - يعني طلحة - فقال مروان : فلما رأيت طلحة قد رجع قلت : ما أبالي أرميت
بسهمي هاهنا أم هاهنا ، فرميت طلحة فأصبت أكحله فقتلته . جاء تاريخ خليفة بن
خياط : في رواية منسوبة إلى علي بن عاصم قال : حدثنا حصين قال : حدثني عمر بن
جلوان قال سمعت الأحنف بن قيس قال : لما التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله .
وعن يحيى بن سعيد عن عمه قال : رمى مروان طلحة بن عبيد الله بسهم ، ثم التفت
إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيناك بعض قتلة أبيك .
وعن يحيى بن سعيد - كذلك - قال : قال طلحة :
ندمت ندامة الكسعي لما * شربت رضى بني جرم برغمي
اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى .
وفي رواية : عن الأحنف قال : لما انحاز الزبير ، فقتله عمرو بن جرموز بوادي
السباع .
وفي رواية جامعة لمقتل كل من طلحة والزبير : عن يحيى بن سعيد ، عن عمه أن
مروان رمى طلحة بسهم فقتله وانحدر الزبير منصرفا ، فقتل بوادي السباع ، قتله عمير
ابن جرموز المجاشعي .
يذكر العاملي أنه : خرج الزبير في أحد الأيام للمبارزة ، فذهب علي إليه بنفسه
وقابله وناداه ونادى طلحة وذكرهما بالله في حقن الدماء وإيقاف القتال ، فبدأ بطلحة ثم
تكلم مع الزبير .
وجاء في كتاب " وقعة الجمل " للغلابي البصري : فخرج علي فركب فرس رسول
الله صلى الله عليه وسلم المرتجز ولم يأخذ معه سلاحا ولا سيفا ولا رمحا فنادى : يا
طلحة يا زبير ، أخرجا إلي ، فلم يخرجا ، فنادى : يا زبير ، أخرج إلي ، فخرج وهو شاك
في السلاح . . الخ . وتنتهي المحاورة بينهما بالعناق الحار والتفاهم التام والرجوع عن
الحرب والرواية مشهورة تأخذ بها كل الكتب الأساسية في التاريخ . ونفس الرواية
يقررها الأستاذ العاملي - ولعلها الأقرب إلى الصواب - كما يرى ذلك : أن عليا التقى
بالزبير وحده في الميدان بعد ما دعاه مرارا مناديا : يا أبا عبد الله ، وكان علي حاسرا
والزبير دارع مدجج ، فجرى بينهما كلام ، بدأ فيه الإمام أول ما بدأ بتذكير الزبير بن
العوام بحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : تقاتله وأنت له ظالم ، فيجيب الزبير
عليا صحيح ولكني نسيت أو بمعنى لو تذكرت ما جئت . ويقال إنه قال له قبل أن
ينصرف فإني لا أقاتلك ، ثم انصرف .
إلى أن قال في ص 144 :
وانتفض الجمع ، وعاد الزبير أدراجه وهو عازم على العودة إلى المدينة ، فتصدى له
ولده عبد الله ومنعه ، الخ ، لكن الزبير قرر في النهاية العودة إلى المدينة والكف عن
القتال وفاء لما جرى بينه وبين الإمام علي من شروط .
والرواية هنا تأتي بشكل آخر في كتاب " أسد الغابة " كما يلي :
وشهد الزبير الجمل مقاتلا فناداه علي فانفرد به ، وقال له : أتذكر إذ كنت أنا وأنت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلي وضحك وضحكت فقلت أنت لا يدع ابن
أبي طالب زهوه ، فقال صلى الله عليه وسلم ولتقاتلنه وأنت له ظالم ، فذكر الزبير ذلك
وانصرف عن القتال .
وهناك مصادر أخرى تقول : إنه لما التقيا مع بعض تعانقا ثم تحاورا فكان من جملة
ما دار كلامهما تذكير علي الزبير بالحديث الذي مر ذكره ، وبعد ذلك انصرف الإمام
علي إلى أصحابه وهو يحمل إليهم البشرى باعتزال أحد أكبر قادة جيشهم من المعركة
وهو الزبير بن العوام ، فقال لهم : أما الزبير فقد أعطى عهدا أن لا يقاتلكم . ورجع
الزبير إلى عائشة فقال لها : ما كنت في موطن منذ عقلت وأنا أعرف فيه أمري غير
موطني هذا . ثم ذكر لهم عن عزمه بالخروج من المعركة وانسحابه منها وذهابه إلى
المدينة لكن ابنه عبد الله أخذ يلح عليه في البقاء والثبات متهما إياه بالخوف والجبن ،
من رايات ابن أبي طالب ، ولأجل أن يدفع الزبير تهمة الجبن عن نفسه ، انصل أسنان
رمحه وحمل على عسكر علي برمح لا سنان له ، فقال علي : أفرجوا له ، فإنه محرج ثم
حمل ثانية ثم قال لابنه :
أجبنا ؟ ويلك ترى ؟ فقال : لقد أعذرت ، فأنشد الزبير أثر ذلك وكان شاعرا :
نادى علي بأمر لست أنكره * وكان عمر أبيك الخير منذ حين
فقلت حسبك من عذلي أبا حسن * فإن بعض الذي قلت اليوم يكفيني
ترك الأمور التي تخشى مغبتها * لله أمثل في الدنيا وفي الدين
فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها خلق من الطين
وخرج الزبير بعد دلك من ساحة المعركة ، وأخذ يسير مسرعا باتجاه المدينة ، فنزل
بوادي السباع ، وقام يصلي ، فأتاه ابن جرموز ، وكان يتبعه ، فقتله ، وجاء بسيفه إلى
علي ، فقال علي رضي الله عنه : إن هذا سيف طالما فرج الكرب عن رسول الله ، ثم قال
علي قول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن جرموز : بشر قاتل ابن صفية بالنار .
وقال الفاضلان عبد مهنا وسمير جابر في " أخبار النساء في العقد الفريد " ( ص
151 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) :
قال أبو الحسين : لما انحاز الزبير يوم الجمل ، مر بماء لبني تميم ، فقيل للأحنف بن
قيس : هذا الزبير قد أقبل . قال : وما أصنع به أن جمع بين هذين الغزيين وترك الناس
وأقبل ؟ - يريد بالغزيين : المعسكرين - وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي ، فلما
سمع كلامه قام من مجلسه وأتبعه حتى - فذكر مثل ما تقدم .