فمنهم العلامة المعاصر الشيخ محمد توفيق بن علي البكري الصديقي المتولد سنة
1287 والمتوفى 1351 في " بيت الصديق " ( ص 272 ط مصر ) قال :
روى عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله ( صلعم ) يقول لعلي بن أبي طالب : يا
علي إن الله عز وجل زينك بزينة لم يتزين العباد بزينة أحب إليه منها : الزهد في الدنيا
فجعلك لا تنال من الدنيا شيئا ولا تنال الدنيا منك شيئا ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر عبد الرحمن الشرقاوي في " علي إمام المتقين " ( ج 2 ص 23
ط مكتبة غريب الفجالة ) :
وخلال إقامته في الكوفة منذ رجب سنة ست وثلاثين للهجرة ، حتى تركها زاحفا
بجنده إلى الشام ، تعود أن يفقه الناس في الدين ، وأن يجلس إليهم بعد كل صلاة يعلم
ويفتي ، ويقول لهم : اسألوني وما قالها أحد غيره .
كما تعود أن يذهب إلى سوق المدينة فيشتري حاجته وحاجة أهل بيته من طعام
ونحوه ، فيأمر أهل السوق بتقوى الله ، وصدق الحديث والعدل في في الميزان .
اشترى ذات يوم قميصين ، فقال لغلامه : اختر واحدا منهما .
ولقد تحدث إليه بعض الذي لحقوا به من أتقياء أهل الشام وقرائهم عن بذخ
معاوية ، وعن إغداقه على من يصطنعهم ، فزعموا أن على مائدة معاوية عشرة أصناف
من الحلوى وحدها ، وأنه يرتدي كل يوم حلتين ، وقد اتخذ لسيفه مقبضا من ذهب ،
وما هو إلا أحد الولاة ، فما بال أمير المؤمنين لا يملك غير إزار قصير ، من غزل أهل
بيته ، لا يغطي إلا نصف ساقه ، وما بال طعامه أخشن طعام ، وما باله يحمل سيفه على
حبل من ليف ، وقد اتخذ من حصير المسجد سرير ملكه .
يا له من إمام للمتقين وإمام للمساكين ! وضحك الإمام وقال لهم : أما والله ما أحب
الفقر ، ولو تمثل لي الفقر رجلا لقتلته ، ولكني والله لا أرزأ من أموالكم شيئا .
ولاحظ أحد الحاضرين أن أمير المؤمنين يرتعد من البرد ، وليس عليه ما يكفي من
الثياب فسأله : يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيبا ،
فلم تفعل بنفسك هذا . فتبسم قائلا : إن مس الحصير كان يوجع جنب رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وما شبع هو وأهله من طعام قط وقد حيزت له الدنيا وما فيها ، وأنا على
سنته ، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل للخليفة من بعدي من
مال الله إلا قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يتصدق بها وحلة للصيف وحله للشتاء ، على
أني أعيش على ما يأتيني من ينبع ، وأستغني به عن بيت المال .
وسكت قليلا ثم تنهد وقال : كم من جامع ما سوف يتركه ، ولعله من باطل جمعه ،
ومن حق منعه ، أصاب به حراما ، واحتمل به آثاما ، فناء بوزره وقدم على ربه آسفا
لاهثا خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين صدق الله العظيم . ألا إنه لا شرف
أعلى من الإسلام ، ولا عز أعز من التقوى ، ولا معقل أحسن من الورع ، ولا شفيع
أنجح من التوبة ، ولا كنز أغنى من القناعة ، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت ،
والرغبة مفتاح النصب ، ومطية التعب ، والحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في
الذنوب ، ألا فاعلموا أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع
فقير إلا بماء متع به غنى ، والله تعالى سائلهم عن ذلك .
ولكم عجب الذين سمعوه وسمعوا معاوية : إن معاوية يقرب الناس إليه بما يغدق
من منصب أو مال ، وبما يبذل من وعود ، أما علي فيصارح الناس بمنهجه ولا يطمعهم
في عطاء لا يستحقونه ، أو في منصب لا يستأهلونه ، فالمال مال الله وهو أمين عليه ،
فهو يستنفر في الرجل تقاه ، ويزهده في دنياه ، ليستغني عن الناس بالله .
إنه ليتصدق بكل ماله الخاص ، ولا يبقى لنفسه أو لأهله إلا ما يكفيهم لما هو
ضروري لاستمرار الحياة من الطعام والكساء ، وحين خوطب في هذا قال كرم الله
وجهه ورضي الله عنه : الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك ،
فلا تحمل هم سنتك على هم يومك ! فإن تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم فإن الله
تعالى سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك ، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع
بالهم لما ليس لك ، لن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب ، لن يبطئ
عنك ما قدر لك . ألا وإن من البلاء الفاقة ، وأشد من الفاقة مرض البدن ، وأشد من
مرض البدن مرض القلب ، ألا وإن من النعم سعة المال ، وأفضل من سعة المال صحة
البدن ، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب ، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى
يخرجه منها ، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها .
وألح عليه بعض أصحابه أن يأكل ما طاب ليقوي على القتال فهو لا يأكل إلا
رغيفين من خبر الشعير كل يوم ، وأن يكون أحسن الناس مظهرا فهو أمير المؤمنين
وإمامهم . فقال : إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ولو
شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ،
ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو
اليمامة من لا يجد القرص ( الرغيف ) ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا ( ممتلئ
البطن ( وحولي بطون غرثى ( خالية ) وأكباد حرى ، أقنع من نفسي بأن يقال أمير
المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش ، فما خلقت
ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها وما خلقت لأترك سدى ، أو أجر
حبل الضلالة ، أو اعتسف طريق المتاهة ، وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن
أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ، ألا وإن الشجرة
البرية أصلب عودا ، والروائع الخضرة أرق جلودا ، والنباتات البدوية أقوى وقودا
وأقل خمودا . وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو ، والذراع من العضد ، وقد كان
رسول الله يأكل أخشن مما آكل ويلبس أخشن مما ألبس ، وأنا على سنته حتى ألحق
به .
إلا وإن لكل إمام مأموما يقتدى به ويستضئ بنور علمه ، ألا وإن إمامكم قد اكتفى
من دنياه بطمريه ( إزار ورداء ) ، ومن طعامه بقرصيه ( رغيفيه ) . ألا وإنكم لا تقدرون
على ذلك ولا أطالبكم به ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفة وسداد ، فوالله ما
كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ، ولا حزت من أرضها شبرا .
بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت
عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله وما أصنع بفدك وغير فدك . إليك عني يا دنيا
فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلت من جبائلك أغربي عني ، فوالله
لا أذل لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني ، وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش
معا إلى القرض إذا قدرت عليه مطعوما - أي تفرح بالرغيف من شدة الحرمان وتقنع
بالملح مأدوما ، أيأكل علي من زاده فيهج فلا قرت إذن عينه ، إذن أصبح بعد السنين
المتطاولة كالبهيمة والسائمة طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وهجرت في الليل
غمضها ، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها ، وتوسدت كفها ، في معشر أسهر
عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربهم
شفاههم ، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم
المفلحون ) .
ثم مضى يعظهم : فاتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى
لكم بما يزول عنكم وتزودوا من الدنيا في الدنيا ما تحفظون به أنفسكم غدا ، فيا لها
حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وأن تؤديه أيامه إلى شقوة ، نسأل
الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية .
وبكى وبكى معه بعض أصحابه مما يسمعون ، فنظر إليهم الإمام ، وما زالت في
عينيه الدموع ، فرأى من خلال الدمع صاحبا له قد بنى دارا كبيرة فقال له : لقد اتخذت
دارا واسعة ، فما تصنع بهذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج .
فأجابه صاحبه في حياء وندم : بلى يا أمير المؤمنين . قال الإمام : إن شئت بلغت بها
الآخرة : تقري بها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها .
وقد حسب بعض المستمعين أنه كرم الله وجهه ، يدعوهم إلى الخروج عما أحل الله
من متاع الدنيا ، فترك أحدهم أهله وبنيه ، ولبس مرقعة واعتكف للعبادة ، فدعاه الإمام
وقال له : أما استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى أن الله أحل الطيبات وهو
يكره أخذك منها ، لقد علمتكم أن للمؤمن ثلاث ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ،
وساعة يرم معاشه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل .
فدع التواضع في الثياب تخوفا * فالله يعلم ما تجن وتكتم
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة * عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن * تخشى الإله وتتقي ما يحرم
فاعلم رحمك الله أنه لا بأس بالغنى لمن اتقى ، واعلم أن الإيمان أن تؤثر الصدق
حيث يضرك الكذب حيث ينفعك ، وألا يكون في حديثك فضل زيادة على
عملك ، وأن تتقي الله في حديث غيرك فلا تعتزل الناس ، فلا رهبانية في الإسلام وتدبر
قول الرسول صلى الله عليه وسلم : رهبانية أمتي الجهاد . وتعلم وعلم غيرك ، فما أخذ
الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . وكفاك أدبا
لنفسك اجتناب ما تكرهه لغيرك ، فخذ من الدنيا ما أتاك ، وتول عما تولى عنك ، أوليس
الله تعالى يقول : ( والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات
الأكمام ) ؟ أوليس الله يقول : ( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان )
إلى قوله تعالى : ( يخرج منهما اللؤلؤ المرجان ) ؟ وقد قال تعالى : ( وأما بنعمة
ربك فحدث ) . فظل الرجل صامتا لا يرد على الإمام . فقال : تكلم يا رجل ليعرف
الناس من أنت ، فإن المرء مخبوء تحت لسانه . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين تنهاني
عن العزوف عن زينة الحياة التي أحل الله لعباده والطيبات من الرزق ، فعلام اقتصرت
في مطعمك على الطعام الغليظ وفي ملبسك على الخشونة ؟ وتركت قصر الإمارة
ونزلت منزل أفقر أهل الكوفة ؟
فضحك الإمام كرم الله وجهه ، وقال : إن الله الذي جعلني إماما لخلقه فرض على
التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي ومسكني كضعفاء الناس ، لأن الله أخذ
على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدى بهم الغني ، ولا يزري
بالفقير فقره . فوالله ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر ، ولو تمثل لي الفقر رجلا
لقتلته ، فالفقر هو الموت الأكبر ، وإني لأعرف أن الفقر غربة في الوطن ، والغنى وطن
في الغربة ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والله ما الفقر أخشى
عليكم ولكن أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها . والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى
استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك ؟ فقلت له : اغرب عني . فعند
الصباح يحمد القوم السرى . والله لأن أبيت على حسك السعدان ( الشوك الحاد )
مسهدا ، أو أجر في الأغلال مصفدا ، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة
ظالما لبعض العباد أو غاصبا لشئ من الحطام . وإن لي في رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأسوة ، إذ قبضت عنه أطراف الدنيا ، وفطم عن رضاعها ، وزوى عن زخارفها ،
وكان يلبس ويطعم أخشن مما ألبس وأطعم . وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه
السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الطعام الغليظ ، وكان سراجه
بالليل القمر ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله ،
دابته رجلاه ، وخادمه يداه .
وجاء بعض الموالي من أهل الكوفة يشكون الولاة وأعوانهم ، فقال لهم : وأين
علماؤكم ؟ لقد أخذ الله عليه العلماء ألا يقروا ظالما ولا يسكتوا عن مظلوم .
ثم سألهم عن أعوان الولاة ، فعلم أن الولاة لا يحاسبونهم فقال : يجب على الوالي
أن يتعهد ، أموره ، ويتفقد أعوانه ، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسئ ،
ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء ، فإنه إذا ترك أعوانه تهاون المحسن واجترأ المسئ ،
وفسد الأمر .
فقال أحد الموالي : سأل الإسكندر حكماء بابل أيها أبلغ عندكم الشجاعة أم
العدل ؟ فقالوا : إذا استعملنا العدل لم نحتج للشجاعة .
فقال الإمام : يجب على السلطان أن يلزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ،
وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه ، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ، ومدار السياسة
كلها على العدل والإنصاف ، فلا يقوم سلطان لأهل الإيمان والكفر إلا بهما . والإمام
العادل كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه ، وتفسد بفساده .
فقال رجل آخر من الموالي : قال سقراط : ينبوع فرح العالم الملك العادل ، وينبوع
حزنهم الملك الجائر . فقال الإمام ضاحكا : حسبكم دلالة على فضيلة العدل أن الجور
الذي هو ضده لا يقوم إلا به ، وذلك أن اللصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم ،
احتاجوا إلى استعمال العدل في اقتسامهم ، وإلا أضر ذلك بهم .
فقال رجل ثالث من الموالي : جاء في كتب الهند : رأس الحزم للملك معرفته
بأصحابه ، وإنزالهم منازلهم ، واتهام بعضهم على بعض .
وقال رجل رابع من الموالي : قال أحد حكمائنا ينصح كسرى أنو شروان : كلمة
منك تسفك دما ، وأخرى تحقن دما ، وسيفك مسلول على من سخطت عليه ، ورضاك
بركة مستفادة على من رضيت . وما نقول لك إلا هذا يا أمير المؤمنين ، فاختر لولايتك
أحد رجلين إما أن يكون وضيعا فرفعته ، أو صاحب شرف مهمل فاصطنعته .
وعجب بعض العرب من أصحاب الإمام فصاح : ويلكم أتعلمون أمير المؤمنين
وهو باب مدينة العلم .
فنصح الإمام أصحابه بالحلم ، وطلب منهم أن يجعلوا الحكمة ضالتهم ، فقد علمهم
الرسول أن الحكمة ضالة المؤمن وأن عليه أن ينشدها ، وقال لمن أنكر على الموالي أن
يشيروا على أمير المؤمنين : لا يقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس
منك الحاجة إلى رأي غيرك ، فتقطع بذلك عن المشورة ، فإنك لا تريد الفخر ، ولكن
الانتفاع . ثم التفت الإمام إلى أصحابه قائلا : ما هلك امرؤ عن مشورة ، ونعم المؤازرة
المشاورة ، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواضع الخطأ ، مع الاستشارة خير من الصواب
مع الاستبداد ، فتعوذوا من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة ، واعلموا أن الرأي
يسد ثلم السيف ، والسيف لا يسد ثلم الرأي . فلا يرفع أحدكم صوته بغير حجة على
أحد من الموالي ، واعلموا أن الظفر لمن احتج ، لا لمن لج .
ثم التفت إلى أحد الذين صاحوا في وجه الموالي الأربعة وقال : العقل حسام قاطع ،
والحلم غطاء ساتر ، فقابل هواك بعقلك ، واستر خلل خلقك بحلمك ، ولا يتعصب
أحدكم لقبيلته أو لقومه من العرب ، فقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب
لشئ إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة من عقول السفهاء .
وشرع الإمام يكتب إلى عماله الذين اشتكاهم الموالي ، فكتب لأحدهم : اتق الله ،
ولا تبغ على أهل القبلة ، ولا تظلم أهل الذمة ، فإن الله لا يحب المتكبرين ، واعلم أن
من آذى إنجيليا فقد آذاني
وكتب لوال آخر : أما بعد ، فإن دهاقين بلدك شكوا منك غلظة وقسوة ، واحتقارا
وجفوة ، ولهم في ذمتنا عهد فامزج بين التقريب والإدناء ، والإبعاد والإقصاء إن
شاء الله .
وكتب لثالث : بلغني أنك تعمر دنياك بآخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ، لئن
كان الذي بلغني عنك حقا ، لجمل أهلك وشعث نعلك خير منك ، ومن كان بصفاتك
فليس بأهل أن يسد به ثغر ، أو ينفذ به أمر ، أو يعلى له قدر ، أو يشرك في أمانة ، أو
يؤمن على جباية ، فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله .
وكتب لرابع : بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك ، وأغضبت إمامك ،
أنك تقسم في المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم ، وأريقت عليه دماؤهم ، فيمن
اعتامك ( اختارك ) من أعراب قومك ، لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا ،
ولتخفن عندي ميزانا . فلا تستهن بحق ربك ، ولا تصلح دنياك بمحق آخرتك ، فتكون
من الأخسرين أعمالا .
وكتب لعامل غيره : بلغني أنك جردت الأرض ، فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت
ما تحت يديك ، فارفع إلي حسابك .
وكتب لجميع عماله على أهل البلاد المفتوحة ( أهل البلاد المفتوحة هم الموالي ) :
انظروا في حال تشتتهم وتفرقهم ، ليالي كانت الملوك والأكاسرة والأباطرة أربابا لهم
فتركوهم عالة مساكين .
وكتب إلى أحد عماله : أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت من
المتكبرين ؟ أتطمع وأنت متمرغ في النعيم ، تستأثر فيه على الجار المسكين والضعيف
الفقير والأرملة واليتيم ، أن يجب لك أجر الصالحين المتصدقين ؟ فماذا لو أكلت
طعامك مرة وأطعمت الفقير الجائع مرة ؟ إنما المرء يجزى بما أسلف ، والسلام .
وكتب لآخر : انظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله ، فاصرفه إلى من قبلك ( عندك )
من ذوي العيال والمجاعة ، مصيبا به مواضع الفاقة والخلات ( الحاجات ) وما فضل
عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا .
كتب لغيره : إن عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه في عنقك أمانة ، وأنت مسترعى
لمن فوقك ، ليس لك أن تفتات في رعية ، وفي يديك مال من مال الله عز وجل ، وأنت
من خزانة حتى تسلمه إلي .
وقال لأصحابه : اعلموا أن الولاة هم خزان الرعية ، ووكلاء الأمة ، وسفراء الأئمة
وقال : إن الوفاء توأم الصدق ، ولا أعلم جنة أوقى منه ، وما يعذر من علم كيف المرجع
ولقد أصبحت في زمان قد أتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ( عقلا ) ، ونسبهم أهل الجهل
فيه إلى حسن الحيلة ، ما لهم قاتلهم الله قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونه مانع من
أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا ورع له .
فقال الذين جاءوا من الشام : إن معاوية قد اصطنع أهل الشام جميعا ، وكلهم حديث
عهد بالإسلام ، وكلهم لا يعرف إلا معاوية ، وما يغدقه معاوية ، ثم إنه ليصطنع رؤساء
القبائل العربية ، فيجزل لهم العطاء أضعافا مضاعفة ، من أجل ذلك نكث الولاة
الذين خافوا الإمام على ما كسبوه بغير حق وفروا إلى معاوية .
فقال أصحاب الإمام له : يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال ، وفضل هؤلاء
الأشراف من العرب ومن قريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من
الناس .
فقال لهم متعجبا منكرا : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟ لو
كان المال لي لسويت بينهم ، فكيف وإنما المال مال الله ؟ ألا وإن إعطاء المال في غير
حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ، ويضعه في الآخرة ، ويكرمه في
الناس ، ويهينه عند الله ، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ، ولا عند غير أهله إلا حرمه
الله شكرهم وكان لغيره ودهم ، فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى خدمتهم فشر خدين
وألأم خليل ، إنه لا يسعنا أن نعطي أحدا أكثر من حقه ، إن هذا المال ليس لي وليس
لكم . ولكنه مال الله يقسم بين الناس بالسوية فلا فضل لأحد على أحد .
فقال أحدهم : يا أمير المؤمنين أنت تنصف الوضيع من الشريف ، فليس للشريف
عندك فضل منزلة على الوضيع ، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به ، واغتموا
من العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائع من أهل الغنى فباعوا أنفسهم وأكثرهم
يشتري الباطل ، فإن تبذل المال يمل إليك أعناق الرجال ويستخلص ودهم .
فرد الإمام : أما ما ذكرت من عملنا ومسيرتنا فإن الله عز وجل يقول : ( من
عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) ، وأنا من أن أكون
مقصرا فيما ذكرت أخوف . وأما ما ذكرت أن الحق ثقل عليهم ففارقونا ، فعلم الله
أنهم لم يفارقونا عن جور ، ولا لجأوا إلى عدل . وأما ما ذكرت من بذل
الأموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي أحدا من المال فوق حقه .
وقد عليه أخوه عقيل بن أبي طالب من المدينة فقال له : ما أقدمك يا أخي ؟ قال :
تأخر العطاء عنا ، وغلاء السعر ببلدنا ، وركبني دين عظيم ، فجئت لتصلني .
فقال علي : والله ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي ، فإذا خرج فهو لك .
قال عقيل : أشخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك ؟ وماذا يبلغ مني عطاؤك
وما يدفع من حاجتي ؟
فقال الإمام : هل تعلم لي ما لا غيره ؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في
صلتك بأموال المسلمين ؟ وما بقي من نفقتنا في ينبع غير دراهم معدودة ، والله يا أخي
إني لأستحي من الله أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي ، أو
عورة لا يواريها ستري ، أو خلة لا يسدها جودي .
فلما ألح عقيل عليه ، قال لرجل : خذ بيد أخي عقيل وانطلق إلى حوانيت أهل
السوق ، فقل له : دق هذه الأقفال ، وخذ ما في هذه الحوانيت .
فقال عقيل : أتريد إن تتخذني سارقا ؟
فقال الإمام : وأنت تريد أن تتخذني سارقا ؟ أن آخذ من أموال المسلمين
فأعطيكها دونهم .
فقال : والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك . لآتين معاوية .
فقال الإمام : أنت وذاك ، راشدا مهديا .
فلما قدم على معاوية ، رحب به وقال : مرحبا وأهلا بك يا عقيل بن أبي طالب ، ما
أقدمك علي ؟ قال : قدمت لدين عظيم ركبني ، فخرجت إلى أخي ليصلني فزعم
أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه ، فلم يقع ذلك مني موقعا ، ولم يسد مني مسدا ، فأخبرته
أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي ، فجئتك .
فازداد معاوية فيه رغبة ، وقال للناس : يا أهل الشام هذا سيد قريش وابن سيدها ،
عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة ، لجاءني ، ولكني أزعم أن جميع ما تحت
يدي لي ، فما أعطيت فقربة إلى الله ، وما أمسكت فلا جناح لي عليه .
ثم قال لعقيل : يا عقيل بن أبي طالب هذه مائة ألف تقضي بها ديونك ، ومائة ألف
تصل بها رحمك ، ومائة ألف توسع بها على نفسك .
فوقف عقيل فقال : صدقت ، لقد خرجت من عند أخي علي هذا القول ، وقد عرفت
من في عسكره ، لم أفقد والله رجلا من أهل بدر ولا المهاجرين والأنصار ، ولا والله ما
رأيت من معسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال معاوية : يا أهل الشام أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم رسول الله
صلى الله عليه وسلم سيد قريش ، وها هو ذا تبرأ مما عمله أخوه .
وضج أهل الشام استحسانا لما يقوله معاوية .
وعجب عقيل ، كيف يفقهون وكيف يسومهم معاوية ؟
إنهم ليلغون عقولهم وأسماعهم وأبصارهم ، ولا يعون أو يفقهون أو يسمعون أو
يبصرون إلا ما يريده معاوية .
فوقف عقيل يقول : أيها الناس ، إني أردت أخي عليا على دينه فاختار دينه ، وإني
أردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه .
وشعر معاوية أن بعض رؤساء العرب قد فهموا عن عقيل ، وأنهم قد يشرحون
لسواهم من غير العرب من أهل الشام ، ففض الناس ، وأمرهم أن يتجهزوا للزحف إلى
العراق ، ليغنموا أرضه الشاسعة الخصبة وأمواله الطائلة ونساءه الحسان .
ووجد معاوية أحد رؤساء العرب يسخر من كل هذا ، وينظر إلى معاوية وعمرو
شزرا فسأله : لم أحببت عليا علينا ؟ فقال : لثلاث خصال : حلمه إذا غضب ، وصدقه إذا
قال ، وعدله إذا حكم .
وكان عليه السلام قد تعود أن يأخذ الجزية والخراج ( الضرائب ) من أهل كل
صنعة وعمل ، حتى ليأخذ من أهل الأبر والمال والخيوط والحبال ثم يقسمهم بين
الناس . وكان لا يدع في بيت المال مالا يبيت فيه ، بل يقسمه إلا أن يغلبه مشغل فيصبح
إليه . وكان يكنس بيت المال بعد أن يفرع من توزيع ما فيه ، ويتخذه مسجدا يصلي فيه .
وقد كانت له بالكوفة امرأتان ، فإذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم ، وإذا
كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم ، وكان ينفق هذه النفقة من شئ يأتيه من
الحجاز . وكان يوصي كل عامل يوليه على الخراج : لا تضربن رجلا سوطا في جباية
درهم ، ولا تتبعن لهم رزقا ، ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعملون عليها ، ولا
تقيمن رجلا قائما في طلب درهم ، فقال له أحد عماله : يا أمير المؤمنين إذن أرجع
إليك كما ذهبت من عندك ؟ .
قال الإمام : أمرنا نأخذ منهم الفضل ( ما زاد عن الحاجة ) .