ولي الخلافة الفاطميون بمصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين
واستمر ذلك بمصر إلى الآن ، قاله السيوطي . فتخصيص الشرف بأولاد السبطين ليس
بشرعي وإنما هو عرفي .
قال في الدر النفيس عقب نقله ما سلف : وهذا الذي أحدثه الفاطميون بمصر هو
قديم عندنا بالمغرب من لدن افتتحه المولى إدريس بن عبد الله ه . ومن مزاياه دخوله
في المباهلة والكساء وحمله في أكثر الحروب اللواء وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى . وهو في المرتبة الرابعة باعتبار
التفضيل على ما عليه الجمهور ، وقد وقع بينه وبين معاوية حرب طاحنة أفضت إلى
التحكيم وبسببه نشأت الخوارج لخروجهم عن التحكيم ونشأت إذ ذاك فتن معضلة
لا يمكننا الوقوف على حقيقتها كما قال أئمة السلف ، فتلك دماء طهر الله منها أيدينا
فلا نلوث بها ألسنتنا . مات شهيدا في 17 رمضان سنة 40 هجرية وله 63 سنة ضربه
عبد الرحمن بن ملجم الخارجي ، ودفن بالكوفة في قصر الإمارة عند المسجد
الجامع ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر خالد محمد خالد في كتابه " في رحاب علي عليه السلام " ص
45 ط دار المعارف بمصر ودار المعارف بلبنان :
هنا يعيش علي ويحيا . أجل ، هنا مذ كان محمد عليه السلام عابدا يبحث عن
الحق ، ويتعبد في غار حراء ، ويقلب وجهه في السماء ، وكأنه على موعد يترقبه
ويتعجله . وهو هنا يعيش بعد أن أوحى إلى رسول الله ودعته السماء ليقول كلمتها ،
ويبلغ رسالتها .
وعندما بدأت أيام الرسالة الأولى بل عندما بدأت أول ساعاتها ولحظاتها - كان
هناك ثلاثة يلحظون التغير الهائل الذي أخذ يرسم سيماه على حياة الرسول ، هم
خديجة زوجته وعلي ابن عمه وزيد خادمه ، ولقد أسلموا بهذا الترتيب أيضا . سأله
علي وهو ابن عشر سنين لا غير : ماذا أراك تصنع ؟ وأجابه الرسول : إني أصلي لله رب
العالمين . وسأله علي : ومن يكون رب العالمين ؟ وعلمه الرسول وهداه :
إنه إله واحد لا شريك له له الخلق وبيده الأمر يحيي ويميت وهو على كل شئ
قدير . ولم يتردد الغلام المبارك ، فأسلم وكان أول المسلمين في حين كانت خديجة
رضي الله عنها أول المسلمات .
ومن ذلك اليوم ، وهو مع النبي لا يفارقه ، يصلي معه ، ويصغي إليه ، ويراه وهو
يتهيأ لتلقي الوحي .
وكم من آية وآيات ، كان هو أول من يسمعها وهي لا تزال حديثة العهد بمنزلها
وموحيها . وأخذ الذين اصطفتهم السماء لصحبة الرسول يقبلون عليه مؤمنين : أبو بكر
الصديق فعثمان والزبير وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص . فأبو عبيدة وأبو سلمة
والأرقم وأبناء مظعون وخباب وسعيد بن زيد وعمار وعمير وابن مسعود الذين كتب
لهم حظ السبق إلى الإسلام .
وصارت دار الأرقم على الصفا مكان لقائهم ، يتلقون فيه خفية وسرا ، فيتلو عليهم
الرسول ما يتنزل به الوحي على قلبه ويصلي بهم ، ويبارك إيمانهم .
لم يغب علي عن دار الأرقم أبدا ، ولم يفته من مشاهدها الخالدة مشهد واحد
وتحت سقفها وكذلك سقف الدار التي يسكنها النبي ، ويقيم علي معه فيها .
طالما سمع آيات الله تتلى ، وطالما غمرته أنوار النبوة تغسل حوبه وذنبه .
ماذا ؟ ! أأقول تغسل حوبه وذنبه ؟ ولكن متى كان له حوبه أو ذنب متى ، وهو
الذي ولد في الإيمان والعبادة والهدى ؟ إنه وهو في السادسة من عمره بدأ يعيش مع
محمد الصادق الأمين ، يتأدب على يديه ، ويتأثر بطهره ، وعظمة نفسه ، وتقى ضميره
وسلوكه وحين بلغ العاشرة ، كان الوحي قد أمر الرسول بالدعوة وكان هو سابق
المسلمين . وسارت حياته من ذلك اليوم إلى أن يجئ اليوم الذي سيلقى فيه ربه تطبيقا
كاملا وأمينا لنهج الرسول وتعاليم القرآن .
ألا بوركت هذه الحياة ، حياة لم تكن لها قط ، صبوة ولا شهوة ولا هفوة . حياة ولد
صاحبها وتبعات الرجال فوق كاهله . حتى لهو الأطفال ، لم يكن لحياة ابن أبي طالب
فيه حظ ولا نصيب .
فلا مزامير البادية ، ولا أغاني السمار شبع منها سمع الطفل ، ووجدان الشاب . لكأن
المقادير كانت تدخر سمعه ووجدانه ، لكلمات أخرى ستغير وجه الأرض ، ووجه
الحياة . أجل لقد أدخر سمع الفتى وقلبه ، ليتلقى بهما كما لم يتلق أحد مثله آيات الله
العلي الكبير . أرأيتم الآيات التي سمعناها من قبل ؟
فلنتصور عليا وهو يسمعها طازجة مشرقة متألقة حديثة العهد بربها ، يرتلها رسول
رب العالمين . ولكن لا فلن نستطيع أن نتصور ، أو حتى تخيل . وحسبنا ونحن نطالع
هذه الحياة أن نقدر على متابعة الكلمات التي تروي أنباءها وعجائبها .
في نور هذه الآيات المنزلة ، والتي كان الوحي يجئ بها تباعا ، قضى علي بن
أبي طالب بواكير حياته النضرة ، يبهره نورها ويهزه هديرها . يسمع آية الجنة يتلوها
الرسول ، فكأنما الغلام الرشيد يراها رأي العين ، حتى ليكاد يبسط يمينه ليقطف من
مباهجها وأعنابها . ويسمع آية النار ، فيرتعد كالعصفور دهمه إعصار ، ولولا جلال
الصلاة وحرمتها لولي هاربا من لفح النار الذي يكاد يحسه ويراه .
أما إذا سمع آية تصف الله في عظمته ، وجلاله ، أو آية تعاتب الناس على إشراكهم
بالله ما ليس لهم به علم ، وجحودهم فضله ونعمته فعندئذ يتحول الغلام الراشد إلى
ذوب تقى وحياء .
لقد أشرب قلبه جمال القرآن وجلاله وأسراره ، هذا الذي كان يشهد نزوله آية آية
حتى صار جديرا بأن يقول وهو صادق : سلوني وسلوني وسلوني عن كتاب الله ما
شئتم . . فوالله ما من آية من آياته إلا وأنا أعلم أنزلت في ليل أم في نهار . وحتى كان
كما وصفه الحسن البصري رضي الله عنه . أعطي القرآن عزائمه وعلمه وعمله ، فكان
منه في رياض مونقة وأعلام بينة . هذا هو علي بن أبي طالب . هذا هو الذي نرجو ألا
نكون مغالين إذ وصفناه بأنه : ربيب الوحي . فطوال السنوات الأولى لنزول الوحي ،
كان فتانا هناك ، يشهد نزوله ، ويسبق غيره في تلقيه من رسول رب العالمين . ويلقى
سمعه ، وقلبه لأسراره وأنواره .
ولطالما شهدته شعاب مكة ، وهو ثاني اثنين الرسول عليه السلام ، وعلي كرم الله
وجهه ، يصليان معا ، بعيدا عن أعين القرشيين وأذاهم .
وهنالك في رحاب الصحراء الواسعة ، حيث لا يرتد البصر أمام حدود أو سدود ،
وحيث تتنزل على النفس أسرار الكون العظيم . عاكسة على الشعور جلاله ومجده ، كان
علي يتلقى من فم الرسول كلمات القرآن وآياته نفسه مرفهة ، وعزمه متهلل قلبه جميع ،
وروحه حر وشخصيته بكل خصائصها الموروثة والمكتسبة ، تتلقى تأثيرا لا يقاوم
وتستسلم في غبطة مطلقة لهذه الآيات التي آمن بها وحيا ودينا . وآمن بقارئها وتاليها
نبيا ورسولا .
من أجل هذا ، لا نعجب ، إذ رأينا عليا طوال حياته يعطي القرآن ولاء مطلقا ولا
يقبل أدنى ميل عنه ، ولا يغفر أقل تفريط فيه . إنه ربيب الوحي والتلميذ الأول للقرآن
وإنه سابق المسلمين ، ألم يسمع القرآن يتساءل في هدير ورهبة : ( تلك آيات الله
نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) بأي حديث .
إن الفتى الأواب ليرتجف من هول التساؤل ، وجلال الخطاب ويجيب في صيحة
مكظومة : لا بحديث غير حديثك نؤمن ، يا رب كل شئ . ومن هذه الآية ، ومثلها معها
من آيات القرآن العظيم ، أشرب قلب علي ولاء للقرآن ليس له نظير .
ألم يسمع القرآن يحدد للرسول طريقه المستقيم فيقول : ( ثم جعلناك على شريعة
من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) .
إنه أيضا من هذه الآية ، ومثلها من آيات القرآن وتعاليم السماء ، ليستمد عزما
خارقا على أن يسير فوق صراط الحق بخطى ثابتة راسخة أكيدة ، متخطيا أهواء الذين
لا يعلمون في استقامة قديس ، وشموخ مقتدر . لك الله أبا الحسن أكنت تدري ، أي
معارك ضارية ستخوضها غدا ضد أهواء الذين لا يعلمون ؟
من ولائه الوثيق للقرآن ، وشهوده فجر الوحي وضحاه كان علي ربيب الوحي .
ومن ولائه الوثيق للإسلام ، وسبقه إليه قبل غيره من رجال العالمين كان علي سابق
المسلمين . وسابق المسلمين لقب لا يستحقه علي لمجرد سبقه إلى الإسلام . فعلي ، هو
الذي علم الناس فيما بعد ، أنه : ليس الطريق لمن سبق بل لمن صدق . إنما يستحقه لأنه
حاز كلتا الحسنيين : السبق والصدق .
وحين نتتبع مظاهر إسلامه نرى عجبا وحين نستقبل شمائل إيمانه ، نستقبل روضات
يانعات نتأنق فيهن ، ويثملنا عبيرها ، وطهرها وتقاها .
والآن ، ما بالكم برجل اختاره الرسول من بين أصحابه جميعا : ليكون في يوم
المؤاخاة أخاه ؟ وكيف كانت أبعاد إيمانه وأعماقه ، حتى آثره الرسول بهذه المكرمة
والمزية ؟
عندما تمت هجرة النبي والمسلمين إلى المدينة ، آخى الرسول بين المهاجرين
والأنصار وجعل لكل أنصاري أخا من المهاجرين حتى إذا فرغ عليه السلام من دمجهم
في هذا الإخاء العظيم رنا بصره تلقاء شاب عالي الجبهة ، ريان النفس ، مشرق الضمير
وأشار الرسول إليه ، فأقبل عليه ، وبين الأبصار المشدودة إلى هذا المشهد الجليل ،
أجلس النبي عليا إلى جواره ، وربت على كتفه ، وضمه إليه وهو يقول : وهذا أخي .
لقد كان الصديق أبو بكر ، وكان الفاروق عمر آنئذ هناك ، فهل من حقنا أن نتساءل :
لماذا لم يختص الرسول أحدهما بهذا الذي اختص به عليا ؟ إن تساؤلا كهذا يفسد
جلال المشهد ويفوت علينا رواءه والمسلم الذي ينشد الأدب مع رسول الله وأصحابه
يحني هامته إجلالا لهذا الرعيل الأول والأسبق من أصحابه على حد سواء .
اختار الرسول إذن عليا ليكون في هذه المؤاخاة أخاه ، وكل شرف كان الإسلام
يضفيه علي ابن أبي طالب كان يزيد إحساسه بمسئولياته الدينية شحذا ، وقوة . ولم يكن
في طول الدنيا وعرضها ما يراه ابن أبي طالب كفوا لأن يكون مثوبة على إسلامه
وأجرا .
إن الإمام كرم الله وجهه كان يعرف تماما قيمة الذي هداه ربه إليه ، وكان من الذين
يؤمنون بأن الخير مثوبة نفسه . فالذي يوفق للخير ولحق يكون جاهلا بقيمة الحق
والخير ، إذا هو طلب من الدنيا مثوبة وأجرا نظير فعله الخير وحمله راية الحق .
وهكذا حمل علي إسلامه بين جنبيه ، وتحت ضلوعه ، وفي أعماق روحه ، ومضى
يستصغر شأن الدنيا بكل فنونها وزينتها .
وكلما تراءت له مباهجها سدها بعبارته المأثورة : يا دنيا ، إليك عني . . يا دنيا ،
غري غيري . وعلي في إسلامه ، نموذج عظيم مكتمل الشكل والجوهر . فإذا كان
الإسلام عبادة ، ونسكا جهادا ، وبذلا ترفعا وزهدا فطنة وورعا سيادة وتواضعا قوة
ورحمة عدالة وفضلا استقامة وعلما بساطة وتمكنا ولاء وفهما .
إذا كان الإسلام ذلك كله ، فإن سابق المسلمين عليا كرم الله وجهه كان أحد النماذج
الباهرة والنادرة لهذا الإسلام . ومن شاء أن يتعرف إلى حياة الإمام وسلوكه ، فليقرأ
كلماته ذلك أنه لم يكن بين مقاله وفعاله ، تفاوت أو تناقض .
أجل لم يكن بين ما يقول ، وما يفعل . بعد ولا مسافة ، ولا فراغ .
فإذا حث الناس على الزهد ، فلأنه أسبقهم إليه ، وإذا حثهم على البذل ، فلأنه
أقدرهم عليه ، وإذا حثهم على طاعة أية طاعة فلأنه يمارسها في أعلى مستوياتها . صلى
الفجر يوما بأصحابه في الكوفة ، وهو أمير للمؤمنين ، فلما فرغ من صلاته جلس سائما
جزينا ولبث في مكانه ومجلسه ، والناس من حوله يحترمون صمته فلا يتحركون حتى
طلعت الشمس ، واستقر شعاعها العريض على حائط المسجد من داخل . فنهض الإمام
علي وصلى ركعتين ثم هز رأسه في أمي ، وقلب يده وقال : والله لقد رأيت أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم ، فما أرى اليوم شيئا يشبههم . . لقد كانوا يصبحون وبين
أعينهم آثار ليل باتوا فيه سجدا لله ، يتلون كتابه ويتراوحون بين جباههم وأقدامهم . .
وإذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح . . وهملت أعينهم حتى تبتل
ثيابهم .
هذه صورة الماضي العظيم . صورة الأيام الجليلة الرائعة أيام الوحي والرسالة يعيش
فيها علي العابد دوما وأبدا ولا يستطيع الزمن مهما توغل في البعد أيامه وأعوامه أن
ينتزع الإمام العابد منها ، فهي منسكه ومحرابه .
وإنه ليحدث المسلمين عن الإسلام الذي آمن به ، وجعله كتاب حياته ، فيقول :
تعلموا العلم ، تعرفوا به ، واعملوا ، وكونوا من أهله . . ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة
وإن الآخرة قد أتت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا
من أبناء الدنيا . ألا وإن الزاهدين في الدنيا قد اتخذوا الأرض بساطا ، والتراب فراشا ،
والماء طيبا . ألا وإن من اشتاق إلى الآخرة ، سلا عن الشهوات . . ومن أشفق من النار ،
رجع عن المحرمات . . ومن طلب الجنة ، سارع إلى الطاعات . . ومن زهد في الدنيا ،
هانت عليه مصائبها . . ألا ، وإن لله عبادا شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة ، أنفسهم
عفيفة وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلا لعقبى راحة طويلة إذا رأيتهم في الليل ،
رأيتهم صافين أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك
رقابهم . . وأما نهارهم فظماء حلماء بررة أتقياء كأنهم القداح . . ينظر إليهم الناظر
فيقول : مرضى وما بهم من مرض ، ولكنه الأمر العظيم .
ذلك هو شغله الشاغل ينام هديره ويصحو على زئيره . دين الله الذي حمل
أمانته ، وقرأ كتابه ويوم الله ، الذي سيقف فيه بين يديه غدا ، لينظر جزاءه وحسابه .
أو من أجل هذا ، لا ينام علي ولا يستريح ؟ أجل ، من أجل هذا ، يقضي ليله
ونهاره في عبادة تضني جسمه الأيد الوثيق . ومن أجل هذا ، يدع الدنيا وراءه ظهريا ،
فيأبى وهو خليفة للمسلمين ، أن ينزل قصر الإمارة بالكوفة . ويؤثر عليه الأرض
الخلاء . والدار المهجورة . ويلحون عليه كي ينزل قصر الإمارة هذا . فيجيبهم ، لا قصر
الخبال لا أنزله أبدا . ومن أجل هذا ، يلبس الثوب الخشن ، فيسأله أصحابه أن يعطي
نفسه ومنصبه بعض حقهما فيقول : هذا الثوب ، يصرف عني الزهو ويساعدني على
الخشوع في صلاتي . وهو قدوة صالحة للناس ، كي لا يسرفوا ويتبذخوا .
ثم يتلو القرآن العظيم : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في
الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) . إنه لا يركن إلى الدنيا لحظة من نهار . إنها بالنسبة
له ، قد أدبرت وآذنت بوداع فلماذا إذن يعطيها ولاءه وبلاءه ؟ إن الآخرة عند الإمام هي
الدار هي الأبد وما أهل الدنيا في شتى العصور والدهور إلا سائرون فوق جسر كلما
انتهى من عبوره قوم وجدوا أنفسهم أمام الأبدية حيث الجنة ، أو النار . ألا فلنصغ
لحديثه : إن المضمار اليوم ، وغدا السباق . . ألا وإنكم في أيام أمل ، من ورائه
أجل . . فمن قصر في أمله قبل حضور أجله فقد خاب علمه . . ألا فاعملوا لله في
الرغبة ، كما تعلمون له في الرهبة . . ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولم أر كالنار نام
هاربها . ألا وإن من لم ينفعه الحق ، ضره الباطل . . ومن لم يستقم به الهدى ، حاد به
الضلال . ألا وإن الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر . . وإن الآخرة وعد
صادق ، يحكم فيها ملك قادر . . وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول
الأمل . . فإن اتباع الهوى ، يصد عن الحق . . وإن طول الأمل ، ينسي الآخرة .
فلتأت الأحداث والأهوال عاصفة ، تقتلع الجبال من حول الأمام ، فإنه لن يتبع
الهوى أبدا . فإن اتباع الهوى يصد عن الحق . ولتبذل الدنيا له كل نفسها وزينتها
، وبهجتها ، وإغرائها ، فإنه لن يربطها به أمل ولا رجاء . فإن طول الأمل ، ينسي الآخرة .
وهو رضي الله عنه لا يريد أن يتوه عن الحق ، ولا يريد أن ينسى الآخرة . فالحق
حياته والآخرة داره .
على أن زهد ابن أبي طالب في الدنيا ، وعزوفه عنها ليس زهد الهاربين من تبعات
الوجود ومسئوليات الحياة . إنما هو زهد يشكله إسلامه ، الذي يجعل المسؤولية العادلة
دينا ، ويجعل العمل الصالح الدائب عبادة وقربى . وهنا نلتقي ب علي يصحح المعايير
والموازين ، إذ لا يكاد يسمع رجلا يذم الدنيا مذمة العاجز المتواكل حتى يقول : الدنيا
دار صدق ، لمن صدقها ودار نجاة ، لمن فهم عنها ، ودار غنى وزاد لمن تزود منها .
مهبط وحي الله . . ومسجد أنبيائه . . ومتجر أوليائه . . ربحوا فيها الرحمة ، واكتسبوا
فيها الجنة . أجل هذه هي دنيا المسلم ، كما يفهمها ربيب الوحي ، وسابق المسلمين . .
دار عمل لا لهو يكدح فيها الانسان لينشئ لنفسه مصيرا سعيدا يوم يقوم الناس لرب
العالمين . وهي دار صدق ، لمن عاش فيها صادقا مع مسؤولياته وتبعاته ودار نجاة ، لمن
سار فيها على درب النجاة .
وبهذا الفهم السديد للدنيا ، ربحها علي وربح بها مصيره وأخراه . فهي بالنسبة له ،
لم تكن دار لعب ولهو أبدا . منذ طفولته الباكرة ، حمل الإسلام في قلبه . وحمل معه كل
أعباء الرجال . ولقد قطع حياته وقضى أيامه على الأرض في كفاح موصول ، ونضال لم
يعرف الراحة يوما . وعاش كما وصفه الرسول عليه السلام : مخشوشن في سبيل الله .
مقت الترف من كل نفسه ، ونأى عنه بكل قوته وعزمه . ذلك أنه فهم الإسلام
وعاشه ، وتعلم منه أن الترف مشغلة الفارغين العاطلين . والإنسان الذي يعيش مع
مسؤوليات كبار كتلك التي يفرضها الإسلام الحق على أبنائه الحقيقيين وأهله إنما يكون
حظه من الصدق والتوفيق مضاهيا حظه من البساطة والتخشن . وهكذا كان الإمام ،
وهكذا أراد للناس أن يكونوا .
عندما قدم مكة من اليمن ورسول الله يومئذ يحج حجة الوداع ، تعجل هو إلى
لقاء النبي تاركا جنوده الذين عادوا معه على مشارف مكة بعد أن أمر عليهم أحدهم .
وبدا لهذا الأمير المستخلف أن يلبس الجند حللا زاهية من تلك التي عادوا بها من
اليمن ، حتى يدخلوا مكة وهم في زينتهم يسر منظرهم الأعين . وأمرهم ، فأخرجوا من
أوعيتهم حللا جديدة ارتدوها ، واستأنفوا سيرهم إلى مكة . وعاد علي بعد لقاء
الرسول ، ليصحب جنده القادمين وعلى أبواب مكة رآهم مقبلين في حللهم الزاهية .
وأسرع نحوهم ، وسأل أميرهم : ويلك ما هذا ؟ قال : لقد كسوت الجند ليتجملوا إذا
قدموا على إخوانهم في مكة . وصاح به علي : ويلك انزع قبل أن تنتهي بهم إلى رسول
الله . فخلعوا حللهم جميعا ، وكظموا في أنفسهم مرارة بما صنع بهم علي الورع ،
الزاهد ، الأواب . . ولما دخلوا مكة ، ولقوا الرسول ، شكا إليهم بعضهم عليا ، وقصوا
عليه نبأه معهم . فاستقبل الرسول القوم وقال : أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله ، إنه
لأخشن في سبيل الله من أن يشكى .
وهو بإسلامه وفي إسلامه لا يتغير طفلا وشابا وشيخا جنديا وقائدا وخليفة
للمسلمين . . إن تقوى الله تأخذ عليه لبة وهو لا يعامل الناس بذكائه ، ولا بحسبه ونسبه .
بل بإخلاصه وتقواه . . ثم هو لا يريد منهم ، بل ولا يقبل منهم أن يعاملوه بغير الصدق
والتقوى . من أجل هذا سنراه حين يقع الصدام بينه وبين معاوية يؤثر الهزيمة مع
الإخلاص والتقوى . على انتصار يتحقق بالمكر والمراوغة . ويقول له ابن عمه عبد الله
بن عباس وهو الصالح الورع : خادعهم ، فإن الحرب خدعة ، فيجيبه الإمام الطاهر : لا
والله لا أبيع ديني بدنياهم أبدا . مسلم عظيم يفجر الدنيا من حواليه ذمة ، واستقامة ،
وطهرا .
وكذلك نراه وهو يخطب أصحابه في أول جمعة ، بالكوفة ، وهو أمير المؤمنين ، لا
يخطب خطبة خليفة ولا أمير ولا حاكم . . لا يصدر قرارات ، ولا يرسم سياسة على
كثرة ما كانت الظروف تتطلب من قرارات ، وسياسة بل لا يجعل خطابه الأول هذا
استجابة لحماس أصحابه وشد زناد الحمية في أنفسهم استعدادا للمعركة التي
سيخوضونها مع جيش الشام المقاتل ، المدرب ، الصعب المراس ، لا شئ من ذلك
كله يضمنه الخليفة والإمام خطابه . إنما هي الدعوة الخالصة لتقوى الله وحسن عبادته
وطاعته اسمعوا : أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإن تقوى الله خير تواصى به عباده ،
وأقرب الأعمال لرضوانه ، وأفضلها في عواقب الأمور عنده . وبتقوى الله أمرتم ،
وللإحسان خلقتم . . فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا .
واخشوا الله ليست بتعذير واعملوا من غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله
وكله الله إلى ما عمل ومن عمل مخلصا له تولاه الله وأعطاه فضل نيته ، وأشفقوا من
عذاب الله فإنه لم يخلقكم عبثا ولم يترك شيئا من أمركم سدى قد سمى آثاركم ، وعلم
أسراركم وأحصى أعمالكم ، وكتب آجالكم فلا تغرنكم الدنيا ، فإنها غرارة لأهلها ،
والمغرور من اغتر بها وإن الآخرة لهي دار القرار .
أهذا خطاب رئيس دولة ؟ كلا إنما هو خطاب ناسك . خطاب مسلم ومؤمن وجه
وجهه وقلبه وحياته للذي فطر السماوات والأرض ، لا يعنيه إلا أن يحيا في مرضاته
تقيا ، وأن يحيا الذين من حوله أتقياء ، أنقياء .
كذلك نراه ونرى إسلامه الوثيق حين لم يعد ، بد من لقاء معاوية في معركة صفين
يستقبل جيشه ليلة المعركة خطيبا ، فلا يعدهم ولا يمنيهم . ولا يرفع أمامهم مباهج الدنيا
ونعيمها ، ثمنا للنصر إذا هم ظفروا به . . إنما يحدثهم حديثا آخر يختلف عن كل
الأحاديث التي تتطلبها أمثال هذه المناسبة . أنظروا . . ألا إنكم ملاقوا القوم غدا
فأطيلوا الليلة قيامكم وصلاتكم وأكثروا تلاوة القرآن ، وسلوا الله الصبر والعفو
والعافية .
في أوقات السلم ، وفي أوقات الحرب فوق ثبج النصر ، وتحت وقع الهزيمة في
سرائه ، وفي ضرائه لا يستولي عن تفكيره ، وعلى ضميره ، وعلى شعوره سوى تقوى
الله سبحانه . وحتى وهو يكتب إلى عمرو بن العاص الذي انحاز إلى صف معاوية ،
وبات يشكل خطرا حقيقيا على جبهة الإمام ، لا نلتقي بالإمام يمني عمرا بدنيا ، ولا
يستميله إلى هوى نفس السلاح الذي كان معاوية يكسب به الأنصار بل نبصره يصدع
عمرا بالحق في غير مساومة ، ولا مجامل . إنه يناشده تقوى الله لا غير ، هذه التقوى التي
تجري من بن أبي طالب مجرى الدم ، فيقول له في كتابه إليه : من عبد الله علي أمير
المؤمنين إلى عمرو بن العاص . . أما بعد ، فإن الدنيا مشغلة عن غيها وصاحبها مقبور
فيها ومهموم عليها لم يصب منها شيئا قط ، إلا فتحت له حرصا ، ولا أدخلت عليه
مؤونة تزيده رغبة فيها ولن يستغني صاحبها بما ناله عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق
ما جمع والسعيد من وعز بغيره ، فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في
باطله ، فإن معاوية غمط الناس ، وسفه الحق .
إنه يرفض أن تحدد علاقات الناس به ، أو علاقاته بهم منفعة أو غرض .
حتى في أحرج ساعات حياته ، يمعن في الرفض وفي الاستغناء . إنه يؤمن بأن الحق
مقدس وأنه ، جل من كل ثمن . ولا شئ على وجه الأرض يمثل الحق في يقينه مثلما
يمثله الإسلام . ومن أجل ذلك نذر حياته لقضية الإسلام منذ عمره الباكر . وعاش عمره
المسلم يتنفس النقاء ، والصدق ، والاستقامة .
ليس في حياته كلها وقفة واحدة مع المساومة ، أو المداجاة ، أو الالتواء . . ولعله لو
شاء لكان داهية لا يشق له غبار فحدة ذكائه ، واتقاد بصيرته يعطيانه من الدهاء ما يريد .
لكنه تخلى عن كل مواهب الرجل الداهية وأحل مكانها كل مواهب الرجل الورع .
إن فهمه لحقيقة الإسلام . وأن ولاءه الوثيق له قد حملا حياته من الأعباء فوق ما
تطيق . ولقد كان بعض جهاده وبلائه كفيلا بأن يبوئه مكانه العالي بين الأخيار
الصادقين . ولكن الرجل الذي وصفه الرسول بأنه مخشوشن في سبيل الله قد أخذ نفسه
بعزائم الأمور ، وناط قدرته وطاقته بالمستحيل ، ونذر للإسلام حياة استقلها ، فراح
يحملها أعباء مائة حياة .
ومع أيامه المجيدة التي عاشها في دنيا الناس هذه ، حقق الإسلام فيه معجزة
الصياغة تلك المعجزة المتمثلة في قدرة هذا الدين على صياغة العظمة الانسانية في
أحسن تقويم .
إن ابن أبي طالب في كل مجالات حياته ، لواحد من أولئك الذين تجلى فيهم
إعجاز الإسلام ، فلنواصل سيرنا معه ، لنرى كيف تكون العظمة الانسانية وكيف يكون
العظماء .