تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
والنظم القانوني الوضعية " ( ج 2 ص 66 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ) قال : يستدل الشيعة على حق الإمام علي في الخلافة - فضلا عن حقه في الإرث الأدبي بناء على ماله من صلة القربى بالرسول - ببعض أحاديث ينسبونها إلى الرسول ، وهم يعتقدون بصدقها وصحة سندها ، وأهمها حديث : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وكذلك حديث : أقضاكم علي ، ولا معنى للإمامة - فيما يقول ابن خلدون - إلا القضاء بأحكام الله ، والمراد هو الحكم والقضاء . كما يستدلون بحديث ينسب إلى الرسول أنه قاله مخاطبا الإمام علي ، وهو حديث : أنت الخليفة بعدي . وأيضا أشار إلى الحديث : من كنت مولاه . . في ص 72 . ومنهم العلامة أبو عبد الله الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت الحنفي البيروتي المولود بها سنة 1209 والمتوفى بها أيضا سنة 1276 في كتابه " الأحاديث المشكلة في الرتبة " ( ص 257 ط عالم الكتب في بيروت سنة 1403 ) قال : حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " رواه أصحاب السنن غير أبي داود ورواه أحمد وصححوه وروى بلفظ : كنت وليه فعلي وليه ، رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه ( 1 ) .
هامش
1 ) قال العلامة الشيخ الجليل أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي رحمه الله في " كنز الفوائد " ص 226 ط تبريز : دليل النص بخبر الغدير على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام : إعلم أنه مما يدل على أنه المنصوص بالإمامة عليه ما نقله الخاص والعام من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع نزل بغدير خم ولم يكن منزلا ثم أمر مناديه فنادى في الناس فلما اجتمعوا خطبهم ، ثم قررهم على ما جعله الله تعالى \ له عليهم من فرض طاعته وبتصرفهم بين أمره ونهيه بقوله : ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ فلما أجابوا بالاعتراف وأعلنوا بالاقرار رفع بيد أمير المؤمنين عليه السلام وقال عاطفا على التقرير الذي تقدم به الكلام : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . فجعل لأمير المؤمنين عليه السلام من الولاء في أعناق الأمة مثل ما جعله الله له عليهم مما أخذ به إقرارهم ، لأن لفظة " مولى " يفيد ما تقدم من التقرير من ذكر الأولى فوجب أن يريد بالكلام الثاني ما قررهم عليه في الأول وأن يكون المعنى فيهما واحدا حسبما يقتضيه استعمال أهل اللغة وعرفهم في خطابهم . وهذا يوجب أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام أولى بهم من أنفسهم ، ولا يكون أولى بهم إلا وطاعته فرض عليهم وأمره ونهيه نافذ فيهم ، وهذه رتبة الإمام في الأنام قد وجبت بالنص لأمير المؤمنين عليه السلام . واعلم أيدك الله أنك تسأل في هذا الدليل عن أربعة مواضع : أحدها : أن يقال لك ما حجتك على صحة الخبر في نفسه فإنا نرى من يبطله . وثانيها : أن يقال لك ما الحجة على أن لفظة " مولى " يحتمل أولى وإنها أحد أقسامها . وثالثها : إذا ثبت أنها أحد محتملاتها فما الحجة على أن المراد بها في الخبر الأولى دون ما سوى ذلك من أقسامها . ورابعها : ما الحجة على أن الأولى هو الإمام ومن أن يستفاد ذلك في الكلام ؟ الجواب عن السؤال الأول : أما الحجة على صحة خبر الغدير في أن يطالب بها إلا متعنت بظهوره وانتشاره وحصول العلم لكل من سمع الأخبار به ، ولا فرق بين من قال ما الحجة على صحة خبر الغدير وهذه حاله وبين من قال ما الحجة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حج حجة الوداع ، لأن ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة . وبعد فقد اختص هذا الخبر بما لم يشركه فيه سائر الأخبار ، فمن ذلك أن الشيعة نقلته وتواترت به . وقد نقله أيضا أصحاب السير نقل المتواترين به بحمله خلف عن سلف وضمنه جميعهم الكتب بغير إسناد معين كما فعلوا في إيراد الوقايع الظاهرة والحوادث الكائنة التي لا يحتاج في العلم بها إلى سماع الأسانيد المتصلة ، ألا ترى إلى وقعة بدر وحنين وحرب الجمل وصفين كيف لا يفتقر في العلم بصحة شئ من ذلك إلى سماع إسناد ولا اعتبار أسماء الرجال لظهوره المغني وانتشاره الكافي ونقل الناس له قرنا بعد قرن بغير إسناد معين حتى عمت المعرفة به واشترك الكل في ذكره . وقد جرى خبر يوم الغدير هذا المجرى واختلط في الذكر والنقل بما وصفناه فلا حجة في صحته أوضح من هذا . ومن ذلك أنه قد ورد أيضا بالأسانيد المتصلة ورواه أصحاب الحديث من الخاصة والعامة من طرق في الروايات كثيرة ، فقد اجتمع فيه الحالان وحصل له البيان . ومن ذلك أن كافة العلماء قد تلقوه بالقبول وتناولوه بالتسليم ، فمن شيعي يحتج به في صحة النص بالإمامة ومن ناصبي يتناوله ويجعله دليلا على فضيلته ومنزلة جليلة ، ولم نر للمخالفين قولا مجردا في إبطاله ولا وجدناهم بل تأويله قد قدموا كلاما في رفعه وإنكاره ، فيكون جاريا مجرى تأويل أخباره المشتبهة ورواياتها بعد الإبانة عن بطلانها وفسادها ، بل ابتدأوا بتأويله ابتداء من لا يجد حيلة في دفعه وتوفره على تخريج الوجوه له لتوفر من قد لزمه الاقرار به . وقد كان إنكاره أروح لهم لو قدروا عليه وجحده أسهل عليهم لو وجدوا سبيلا إليه . فأما ما يحكى عن أبي داود السجستاني من إنكاره له وعن الجاحظ من طعنه في كتاب العثمانية فيه فليس بقادح في الاجماع الحاصل على صحته ، لأن القول الشاذ لو أثر في الاجماع وكذلك الرأي المستحدث لو أبطل تقدم الاتفاق لم يصح الاحتجاج بالاجماع ولا يثبت التعويل على اتفاق على السجستاني قد تنصل من نفي الخبر . فأما الجاحظ فطريقته المشتهرة في تصنيفاته المختلفة وأقواله المتضادة المتناقضة وتأليفاته القبيحة في اللعب والخلاعة وأنواع السحق [ السخف ] والمجانة الذي لا يرتضيه لنفسه ذو عقل وديانة يمنع من الالتفات إلى ما يحكيه وتوجب التهمة له فيما يتفرد به ويأتيه . وأما الخوارج الذين هم أعظم الناس عداوة لأمير المؤمنين عليه السلام فليس يحكى عنهم صادق للخبر ، والظاهر من حالهم حملهم له على وجه من التفضيل ولم يزل القوم يقرون لأمير المؤمنين عليه السلام بالفضائل ويسلمون له المناقب وقد كانوا أنصاره وبعض أعوانه . وإنما دخلت الشبهة عليهم بعد الحكمين فزعموا أنه خرج عن جميع ما كان يستحقه من الفضائل بالتحكيم وقد قال شاعرهم : كان علي قبل تحكيمه * جلدة بين العين والحاجب ولو لم يكن الخبر كالشمس وضوحا لم يحتج به أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى ، حيث قال للقوم في ذلك المقام : أنشدكم الله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه غيري ؟ قالوا : اللهم لا ، فأقر القوم به ولم ينكروه واعترفوا بصحته ولم يجحدوه . فإن قال قائل : فما باله لم يذكر في حال احتجاجه به تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس على أنه أولى بهم منهم بأنفسهم ؟ ولم اقتصر على ما ذكره وهو لا ينفع في الاستدلال عندكم ما لم يثبت التقرير المتقدم ؟ وما جوابكم لمن قال : إن المقدمة لم تصح وليس لها أصل ؟ وقد سمعنا هذا الخبر ورد في بعض الروايات وهو عار منها ، فما قولكم فيها ؟ قيل له : إن خلو إنشاد أمير المؤمنين عليه السلام من ذكر المقدمة لا يدل على نفيها أو الشك في صحتها ، لأنه قررهم من بعض الخبر على ما يقتضي الاقرار بجميعه اختصارا في كلامه وغنى بمعرفتهم بالحال عن إيراده على كماله ، وهذه عادة الناس فيما يقررون به . وقد قررهم عليه السلام في ذلك المقام بخبر الطائر فقال : أفيكم رجل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم ابعث إلي بأحب خلقك يأكل معي غيري ولم يذكر هذا الطائر ، وكذلك لما قررهم بقول النبي عليه السلام فيه لما ندبه لفتح خيبر ، وذكر لهم بعض الكلام دون جميعه اتكالا منه على ظهوره بينهم واشتهاره . فأما المتواترون بالخبر فلم يوردوه إلا على كماله ولا سطروه في كتبهم إلا بالتقرير الذي في أوله ، وكذلك رواه معظم أصحاب الحديث الذاكرين الأسانيد وإن كان منهم آحاد قد أغفلوا ذكر المقدمة ، فيحتمل أن يكون ذلك تعويلا منهم على العلم بالخبر فذكروا بعضه لأنه عندهم مشتهر ، فإن الأصحاب كثيرا ما يقولون فلان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر كذا ويذكرون بعض لفظ الخبر اختصارا وبالجملة ، فالآحاد المتفردون بنقل بعضه لا يعارض بهم المتواترين الناقلين لجميعه على كماله . الجواب عن السؤال الثاني : وأما الحجة على أن لفظ " مولى " يحتمل " أولى " وإنها أحد أقسامها . فليس يطالب بها أيضا منصف كان له أدنى الاطلاع في اللغة وبعض الاختلاط بأهلها ، لأن ذلك مستفيض بينهم غير مختلف فيه عندهم وجميعهم يطلقون القول فيمن كان أولى بشئ أنه مولاه . وأنا أوضح لك أقسام مولى في اللسان لتعلمها على بيان : إعلم أن لفظة " مولى " في اللغة تحتمل عشرة أقسام : أولها : الأولى وهو الأصل الذي يرجع إليه جميع الأقسام ، قال الله تعالى : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي موليكم وبئس المصير ) يريد سبحانه هي أولى بكم على ما جاء في التفسير وذكره أهل اللغة ، وقد فسره على هذا الوجه أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن ومنزلته في العلم بالعربية معروفة وقد استشهد على صحة تأويله ببيت لبيد : قعدت كلا الفرخين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها يريد أولى المخافة ولم ينكر على أبي عبيدة أحد من أهل اللغة . وثانيها : مالك الرق ، قال الله سبحانه : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ وهو كل على مولاه ) يريد مالكه ، واشتهار هذا القسم يغني عن الإطالة فيه . وثالثها : المعتق . ورابعها : المعتق ، وذلك أيضا مشهور معلوم . وخامسها : ابن العم ، قال الشاعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا وسادسها : الناصر ، قال الله عز وجل : ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم ) يريد لا ناصر لهم . وسابعها : المستولي لضمان الجريرة ومن يحوز الميراث ، قال الله عز وجل : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا ) . وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالمولى هيهنا من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته . قال الأخطل : فأصبحت مولاها من الناس بعده * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا وثامنها : الحيف . وتاسعها : الجار ، وهذان القسمان أيضا معروفان . وعاشرها : الإمام السيد المطاع ، وسيأتي في الجواب عن السؤال الرابع إن شاء الله تعالى . فقد اتضح لك بهذا البيان ما يحتمله لفظة " مولى " من الأقسام وإن أولى أحد محتملات معاني الكلام بل هي الأصل وإليها يرجع معنى كل قسم : لأن مالك الرق لما كان أولى بتدبير عبده من غيره كان لذلك مولاه ، والمعتق لما كان أولى بمعتقه في تحمله لجريرته وألصق به من غيره كان مولاه ، وابن العم لما كان أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في نسبه وأولى أيضا من الأجنبي بنصرة ابن عمه كان مولى ، والناصر لما اختص بالنصرة وصار بها أولى كان لذلك مولى . وإذا تأملت بقية الأقسام وجدتها جارية هذا المجرى وعائدة بمعناها إلى الأولى وهذا يشهد بفساد قول من زعم أنه متى أريد بمولى أولى كان ذلك مجازا ، وكيف يكون مجازا وكل قسم من أقسام مولى عائد إلى معنى الأولى ، وقد قال الفراء في كتاب " معاني القرآن " : إن الولي والمولى في كلام العرب واحد . الجواب عن السؤال الثالث : فأما الحجة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى ، فهي أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم به التصريح ولغيره فإنهم لا يردون بالمحتمل إلا ما صرحوا به من الخطاب المتقدم . مثال ذلك : إن رجلا لو أقبل على جماعة فقال : ألستم تعرفون عبدي فلانا الحبشي ؟ ثم وصف لهم أحد عبيده وميزه عنهم بنعت يخصه صرح به فإذا قالوا : بلي ، قال لهم عاطفا على ما تقدم : فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله عز وجل ، فإنه لا يجوز أن يريد بذلك إلا العبد الذي سماه وصرح بوصفه دون ما سواه . ويجري هذا مجرى قوله فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله عز وجل ، ولو أراد غيره من عبيده لكان ملغزا غير مبين في كلامه . وإذا كان الأمر كما وصفناه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزل مجتهدا في البيان غير مقصر فيه من الامكان وكان قد أتى في أول كلامه يوم الغدير بأمر صرح به وقرر أمته عليه وهو أنه أولى بهم بأنفسهم على المعنى الذي قال الله تعالى في كتابه ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ثم عطف على ذلك بعده أظهر من اعترافهم بقوله : فمن كنت مولاه فهذا علي [ خ . ل : فعلي ] مولاه وكانت مولاه يحتمل ما صرح به في مقدمة كلامه ويحتمل غيره لم يجز أن يريد إلا ما صرح به في كلامه الذي قدمه وأخذ إقرار أمته به دون سائر أقسام مولى ، وكان هذا قائما مقام قوله : فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه . وحاش لله أن لا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أراد هذا بعينه . ووجه آخر : وهو أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " لا يخلو من حالين : إما أن يكون أراد بمولى ما تقدم به التقرير من الأولى أو يكون أراد قسما غير ذلك من أحد محتملات مولى . فإن كان أراد الأول فهو ما ذهبنا إليه واعتمدنا عليه ، وإن كان أراد وجها غير ما تقدم من أحد محتملات مولى فقد خاطب الناس بخطاب يحتمل خلاف مراده ولم يكشف لهم فيه عن قصده ولا في العقل دليل عليه يغني عن التصريح بمعنى ما نحال إليه . وهذا لا يجيزه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا جاهل لا عقل له . الجواب عن السؤال الرابع : وأما الحجة على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة والرياسة على الأمة فهو أنا نجد أهل اللغة لا يصفون بهذه اللفظة إلا من كان يملك تدبير ما وصف بأنه أولى به وتصريفه وينفذ فيه أمره ونهيه . ألا تراهم يقولون : إن السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية والمولى أولى بعبده والزوج أولى بامرأته وولد الميت أولى بميراثه من جميع أقاربه ، وقصدهم بذلك ما ذكرناه دون غيره . وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله سبحانه ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) أنه أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم من حيث وجبت طاعته عليهم ، وليس يشك أحد من العقلاء في أن من كان أولى بتدبير الخلق وأمرهم ونهيهم من كل أحد منهم فهو إمامهم الإمام المفترض الطاعة عليهم . ووجه أحسن : ومما يوضح أن النبي عليه السلام أراد أن يوجب لأمير المؤمنين عليه السلام بذلك منزلة الرياسة والإمامة والتقدم على الكافة فيما يقتضيه فرض الطاعة أنه قررهم بلفظ " أولى " على أمر يستحقه عليهم من معناها ويستوجبه من مقتضاها وقد ثبت أنه يستحق في كونه أولى بالخلق من أنفسهم أنه الرئيس عليهم والنافذ الأمر فيهم والذي طاعته مفترضة على جميعهم . فوجب أن يستحق أمير المؤمنين عليه السلام مثل ذلك بعينه ، لأنه جعل له منه مثل ما هو واجب ، فكأنه قال : من كنت أولى به من نفسه في كذا فعلي أولى به من نفسه فيه . ووجه آخر : وهو إنا إذا اعتبرنا ما يحتمله لفظة مولى من الأقسام لم نر فيها ما يصح أن يكون من أراد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما اقتضاه الإمامة والرياسة على الأنام . وذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن مالكا لرق كل من ملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقه ولا معتقا لكل من أعتقه ، فيصح أن يكون أحد هذين القسمين المراد ، ولا يصح أن يريد المعتق لاستحالة هذا القسم فيهما على كل حال ، ولا يجوز أن يريد ابن العم والناصر . فيكون قد جمع الناس في ذلك المقام ويقول لهم : من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه ومن كنت ناصره فعلي ناصره لعلمهم ضرورة بذلك قبل هذا المقام . ومن ذا الذي يشك في أن كل من كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمه فإن عليا عليه السلام ابن عمه ، ومن ذا الذي لم يعلم أن المسلمين كلهم أنصار من نصره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا معنى لتخصيص أمير المؤمنين عليه السلام بذلك دون غيره . ولا يجوز أن يريد ضمان الجرائر واستحقاق الميراث ، للاتفاق على أن ذلك لم يكن واجبا في شئ من الأزمان . وكذلك لا يجوز أن يريد الحليف لأن عليا عليه السلام لم يكن حليفا لجميع حلفان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولا يصح أيضا أن يريد من كنت جاره فعلي جاره لأن ذلك لا فائدة فيه وليس هو أيضا صحيحا في كل حال . فإذا بطل أن يكون مراده عليه السلام شيئا من هذه الأقسام ولم يبق إلا أن يكون قصده ما كان حاصلا له من تدبير الأنام وفرض الطاعة على الخاص والعام ، وهذه هي رتبة الإمام . وفيما ذكرناه كفاية لذي الأفهام . فصل وزيادة : فأما الذين ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قصد بما قاله في أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير أن يؤكد ولاه في الدين ويوجب نصرته على المسلمين وأن ذلك على معنى قوله سبحانه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وإن الذي أوردناه من البيان على أن لفظة " مولى " يجب أن يطابق معنى ما تقدم به التقرير في الكلام وأنه لا يسوغ حملها على غير ما يقتضي الإمامة من الأقسام ، يدل على بطلان ما ادعوه في هذا الباب ، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام بخامل الذكر فيحتاج أن يقف في ذلك المقام ويؤكد ولاه على الناس بل قد كان مشهورا ، وفضائله ومناقبه وظهور علو رتبته وجلالته قاطعا للعذر في العلم بحاله عند الخاص والعام . على أن من ذهب في تأويل الخبر إلى معنى الولاء في الدين والنصرة فقوله داخل في قول من حمله على الإمامة والرياسة ، لأن إمام العالمين يجب موالاته في الدين وتعيين نصرته على كافة المسلمين ، وليس من حمله على الموالاة في الدين والنصرة يدخل في قوله ما ذهبنا إليه من وجوب الإمامة ، فكان المصير إلى قولنا أولى . وأما الذين غلطوا فقالوا : إن السبب في ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير إنما هو كلام جرى بين أمير المؤمنين وزيد بن حارثة ، فقال علي عليه السلام لزيد : أتقول هذا وأنا مولاك ؟ فقال له زيد : لست مولاي إنما مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوقف يوم الغدير فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، إنكارا على زيد وإعلاما له أن عليا مولاه . فإنهم فضحهم العلم بأن زيدا قتل مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام في أرض موته من بلاد الشام قبل يوم غدير خم بمدة طويلة من الزمان وغدير خم إنما كان قبل وفاة النبي بنحو ثمانين يوما ، وما حملهم على هذه الدعوى إلا عدم معرفتهم بالسير والأخبار . ولما رأت الناصبة غلطها في هذه الدعوى رجعت عنها وزعمت أن الكلام كان بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين أسامة بن زيد ، والذي قدمناه من الحجج يبطل ما زعموه ويكذبهم فيما ادعوه . ويبطله أيضا ما نقله الفريقان من أن عمر بن الخطاب قام في يوم الغدير فقال : بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . ثم مدح حسان بن ثابت في الحال بالشعر المتضمن رياسته وإمامته على الأنام وتصويب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك . ثم إحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى ، فلو كان ما ادعاه المنتحلون مما لم يكن لاحتجاجه عليهم به معنى وكان لهم أن يقولوا : أي فضل لك بهذا علينا وإنما سببه كذا وكذا . وقد احتج به أمير المؤمنين عليه السلام دفعات واعتده في مناقبه الشراف وكتب يفتخر به في جملة افتخاره إلى معاوية بن أبي سفيان في قوله : وأوجب لي الولاء معا عليكم * خليلي يوم دوح غدير خم وهذا الأمر لا لبس فيه . وأما الذين اعتمدوا على أن خبر الغدير لو كان موجبا للإمامة لأوجبها لأمير المؤمنين عليه السلام في كل حال إذ لم يخصصها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحال دون حال ، وقولهم : إنه كان يجب أن يكون مستحقا لذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنهم جهلوا معنى الاستخلاف والعادة المعهودة في هذا الباب . وجوابنا أن نقول لهم : قد أوضحنا الحجة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استخلف عليا عليه السلام في ذلك المقام ، والعادة جارية فيمن يستخلف أن يخصص له الاستحقاق في الحال والتصرف بعد الحال . ألا ترون أن الإمام إذا نص على حال له يقوم بالأمر بعده أن الأمر يجري في استحقاقه وتصرفه على ما ذكرناه . ولو قلنا : إن أمير المؤمنين عليه السلام يستحق بهذا النص التصرف والأمر والنهي في جميع الأوقات على العموم والاستيعاب إلا ما استثناه الدليل وقد استثنت الأدلة في زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يجوز أن يكون فيه متصرف في الأمة أمره ولا أمرناه لهم سواه لكان هذا أيضا من صحيح الجواب . فإن قال الخصم : إذا جاز أن تخصصوا بذلك زمانا دون زمان فما أنكرتم أن يكون إنما يستحقها بعد عثمان . قلنا له : إنا أنكرنا ذلك من قبل أن القائلين بأنه استحقها بعد عثمان مجمعون على أنها لم تحصل له في ذلك الوقت بيوم الغدير ولا بغيره من وجوه النص عليه ، وإنما حصلت له بالاختيار . وكل من أوجب له الإمامة بالنص أوجبها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تراخ في الزمان . والحمد لله حدثني القاضي أبو الحسن أسد ابن إبراهيم السلمي الحراني رضي الله عنه ، قال : أخبرني أبو حفص عمر بن علي العتكي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن هارون الحنبلي ، قال : حدثنا حسين بن الحكم ، قال : حدثنا حسن بن حسين ، قال : حدثنا أبو داود الطهوري ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : قام علي عليه السلام خطيبا في الرحبة وهو يقول : أنشد الله امرءا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا يدي ورفعهما إلى السماء وهو يقول : يا معشر المسلمين ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ فلما قالوا : بلى ، قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ، إلا قام فشهد بها ، فقام بضعة عشر بدريا فشهدوا بها وكتم أقوام فدعا عليهم فمنهم من برص ومنهم من عمى ومنهم من نزلت به بلية في الدنيا ، فعرفوا بذلك حتى فارقوا الدنيا . ومما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة أنه كان يقول فهو بين يدي أمير المؤمنين صلوات الله عليه بصفين ومعه الراية في قطعة له أولها : قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالأمس والحديث يطول وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل
شرح إحقاق الحق — صفحة 439 | السيد شهاب الدين المرعشي النجفي / السيد محمود المرعشي